بعد حملة القمع الدمويّة غير المسبوقة التي ارتكبها النظام الإيراني بحق شعبه إثر مطالبته بإسقاط الجمهورية الإسلامية التي عاثت فسادًا وإرهابًا في إيران والمنطقة والعالم على مدى عقود، بدأت الجدران تضيق حول ملالي طهران، الذين أضحوا معزولين ومنبوذين من الداخل والخارج على السواء، بحيث سحب منتدى دافوس الاقتصادي أمس دعوة كان قد وجّهها إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للمشاركة في المنتدى، موضحًا أن "الخسارة المأسوية في أرواح المدنيين في إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية تعني أنه ليس من المناسب أن تمثل الحكومة الإيرانية في دافوس هذا العام".
ولم تكتفِ طهران بالمجازر التي ارتكبتها بحق المتظاهرين لإخماد ثورتهم، فقد أعلن قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان أن الأشخاص الذين "غُرّر بهم" للمشاركة في تظاهرات تعتبرها السلطات "أعمال شغب" سيستفيدون من تخفيف للعقوبة في حال سلّموا أنفسهم خلال مهلة ثلاثة أيام، علمًا أن المعارضين يتعرّضون لشتى أنواع الانتهاكات في المعتقلات الإيرانية. وأعرب عدد من محامي حقوق الإنسان في إيران لقناة "إيران إنترناشيونال" المعارضة، عن قلقهم البالغ إزاء ظروف المحتجزين على خلفية الاحتجاجات، مؤكدين أن السلطة القضائية ترفض السماح لهم بتقديم وكالاتهم الرسمية للدفاع عن المعتقلين، فيما هدّد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، المتظاهرين المعتقلين، بإنزال "عقوبات سريعة ورادعة" بحقهم، واصفًا إيّاهم بـ "مثيري الشغب والفوضى". كما توعّد بأن ترامب والمسؤولين الإسرائيليين وداعمي الأحداث الأخيرة، يُعدّون من بين المجرمين الذين سيخضعون للملاحقة والمحاكمة والعقاب، سواء عبر المحاكم الداخلية أو من خلال المسارات الدولية.
وكشفت وكالة "هرانا" أن عددًا كبيرًا من إصابات المتظاهرين ناتج عن إطلاق الرصاص المطاطي على الوجه والصدر، ما أدّى إلى حالات فقدان بصر ونزيف داخلي وإصابات في الأعضاء. وأكد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي، حصول إطلاق نار على المتظاهرين ومقتلهم أمام مقار "الباسيج" والشرطة، لافتًا إلى أن آلاف الأشخاص قُتلوا خلال الاحتجاجات. ووصف عزيزي، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنه "مغرور وموهوم"، موضحًا أن الإحصاءات النهائيّة للقتلى لا تزال قيد الإعداد، وسيجري إعلانها بعد المراجعة النهائية. وأصدر نوّاب البرلمان الإيراني بيانًا رسميًا وصفوا فيه ترامب بـ "فرعون" العصر، مشبّهين المرشد الإيراني علي خامنئي بـ "موسى" الذي سيؤدّي بترامب إلى الغرق. بالتزامن، كشف مفوّض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك أن الجمهورية الإسلامية أعدمت، وفق تقارير، 1500 شخص العام الماضي، معتبرًا أن نطاق الإعدامات ووتيرتها يعكسان استخدامًا ممنهجًا لهذه العقوبة القصوى كـ "أداة ترهيب دولة"، مع تأثير غير متكافئ على الأقليات الإثنية والمهاجرين.
ومع دخول حجب الإنترنت في إيران يومه الـ 12، أفاد مرصد "نت بلوكس" لمراقبة انقطاعات الإنترنت بأن البيانات أظهرت أن معدل الاتصال الوطني لا يزال ضعيفًا، لكن "شبكة تصفية" ذات قيود مدارة تسمح بمرور بعض الرسائل، ما يشير إلى أن السلطات تختبر شبكة إنترنت تخضع لعمليات تصفية أكثر صرامة، بينما زعم عزيزي بأن الأجهزة الأمنية العليا ستقرّر إعادة خدمة الإنترنت خلال الأيام المقبلة على أن تُستأنف الخدمة "فور استقرار الأوضاع الأمنية". بالتوازي، تعرّض التلفزيون الرسميّ الإيراني للاختراق الأحد، إذ عرض لفترة وجيزة خطابات لترامب وولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي. وجاء في إحدى اللقطات: "هذه رسالة إلى الجيش وقوات الأمن: لا توجّهوا أسلحتكم نحو الشعب. انضمّوا إلى الأمة من أجل حرّية إيران".
ومع استمرار التوترات بين واشنطن وطهران، أظهرت بيانات تتبع السفن التي حلّلتها "أسوشييتد برس"، وجود حاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن"، بالإضافة إلى سفن عسكرية أميركية أخرى، في مضيق ملقا بعد مرورها من سنغافورة على مسار قد يفضي بها إلى الشرق الأوسط.
إلى ذلك، تطرّق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التوترات مع إيران أمام الكنيست، حيث حذر من أنه إذا ارتكبت إيران خطأ وهاجمتنا، فسنتحرّك بقوّة لم تختبرها من قبل، حاسمًا أن لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث في إيران، لكن أيًا يكن ما سيحدث، فإن إيران لن تعود إلى ما كانت عليه، في وقت أعرب فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أمله في أن يتجاوز النظام الإيراني ما وصفه بأنه "فترة مليئة بالفخاخ" عبر الحوار والدبلوماسية، مؤكدًا أن تركيا تتابع عن كثب "السيناريوات التي تحاك في الشوارع".