رغم الاتفاق الذي أُعلن الأحد بين دمشق و"قسد" حول وقف النار واندماج القوات الكردية والمناطق الخاضعة لسيطرتها في شمال وشرق البلاد ضمن الدولة السورية، استمرّ تمدّد قوات دمشق في مناطق "قسد" أمس وسط اشتباكات ضارية بين الطرفين في مناطق عدة، خصوصًا في عين عيسى والشدادي والرقة، في وقت استغلّ فيه بعض مقاتلي تنظيم "داعش" الإرهابي المحتجزين في سجن الشدادي في محافظة الحسكة الذي كان خاضعًا لسيطرة "قسد"، حال الفوضى السائدة في ظل تقدّم قوات دمشق، للفرار من السجن، ما أثار مخاوف حول مصير عشرات آلاف المحتجزين الإرهابيين في سجون "قسد" إثر سيطرة قوات دمشق عليها بعد "حرب سجون" اشتعلت بينهما أمس.
وكشف الجيش السوري أن عددًا من مسلّحي "داعش" فرّوا من سجن الشدادي، متهمًا "قسد" بإطلاق سراحهم، بينما ذكرت "قسد" أنها فقدت السيطرة على السجن بعد هجمات متكرّرة شنها مقاتلو دمشق، مشيرة إلى أن سجن الشدادي كان يضمّ آلاف المسلحين. وأوضحت أن العشرات من مقاتليها قتلوا أو أصيبوا أثناء الدفاع عنه، مؤكدة أن "التحالف الدولي" لم يتدخل رغم النداءات المتكررة لقاعدة التحالف القريبة. ونشرت "قسد" لقطات فيديو أشارت إلى أنها توثق لحظة اقتحام قوات دمشق سجن الشدادي وإطلاقها سراح المحتجزين.
وتعهّد الجيش السوري بأن قواته ستعمل على تأمين السجن وإعادة اعتقال الفارين. وأعلن أنه أحكم سيطرته على مدينة الشدادي والسجن. وأوضحت الدفاع السورية أن قوات الجيش تجاوزت الشدادي، بما يتماشى مع خطط الانتشار، وعرضت تقديم المساعدة لـ "قسد" في الداخل. وكما نفى الجيش السوري مهاجمة سجن الشدادي، نفى كذلك رواية "قسد" عن وقوع اشتباكات قرب سجن الأقطان في الرقة الذي يأوي أيضًا سجناء من "داعش"، وذكرت الدفاع السورية أن الجيش السوري وصل إلى محيط السجن وبدأ تأمينه رغم وجود "قسد" داخله، فيما تحدّثت "قسد" عن سقوط قتلى وجرحى من مقاتليها في محيط سجن الأقطان، متهمة التحالف الدولي بعدم اتخاذ أي خطوة عملية لنقل المعتقلين إلى مواقع آمنة.
كما اتهمت "قسد"، القوات السورية، بقطع رؤوس مجموعة من مقاتليها أثناء أسرهم، وتسجيل العملية بالفيديو "على غرار أسلوب تنظيم "داعش" الإرهابي". وذكرت أن طائرات تركية من دون طيار نفذت غارة جوية على جبل كزوان في جنوب مدينة الحسكة، في حين تعرّض الموقع أيضًا لقصف مدفعي. وسارعت مصادر أمنية تركية إلى نفي "زعم القوات الكردية باستهداف مسيرات تركية مدينة الحسكة" عبر وكالة "رويترز".
وأبدت الداخلية السورية "جاهزيتنا الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم "داعش" في محافظة الحسكة". وأعلنت "استعدادنا للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها"، محملة "قسد" المسؤولية الكاملة عن "أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر تنظيم "داعش" من السجون الواقعة تحت سيطرتها". ورفضت "بشكل قاطع محاولات "قسد" استخدام ملف معتقلي "داعش" كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية".
وكان لافتًا إجراء الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالًا هاتفيًا بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبحسب الرئاسة السورية، أكد الرئيسان أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقلالها، وشدّدا على ضرورة ضمان حقوق وحماية الشعب الكردي، ضمن إطار الدولة السورية. واتفق الطرفان على مواصلة التعاون في مكافحة "داعش" وإنهاء تهديداته. بالتوازي، حذر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام من أنه "إذا واصلت قوات الحكومة السورية التقدم... فسأدفع في اتجاه إعادة فرض عقوبات "قانون قيصر" بشكل مشدد للغاية".
في الغضون، أفاد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي بأن شركة "شل" طلبت الانسحاب من حقل العمر النفطي ونقل حصتها إلى الجهات الحكومية السورية. وأشار إلى أن شركة "كونوكو فيليبس" ستعود للاستثمار في حقول الغاز السورية، موضحًا أن شركات أميركية أخرى، من بينها "شيفرون"، تخطط لدخول السوق للمرة الأولى.
تركيًا، شدّد الرئيس رجب طيب أردوغان على ضرورة الإسراع بتنفيذ الاتفاق بين دمشق و"قسد"، متعهدًا بأن أنقرة لن تسمح بأي محاولات لتقويض جهود تحقيق السلام والاستقرار في سوريا. وحسم أن "عهد الإرهاب" في المنطقة قد انتهى، مشيدًا بدمشق لما وصفه بالعملية الدقيقة للغاية التي نفذتها في شمال شرق سوريا. ورأى حزب "العدالة والتنمية" الحاكم أن التقدم الأخير لقوات دمشق "أحبط" جهود جماعات كردية تستهدف تقويض عملية السلام في تركيا. واعتبر حزب "المساواة والديمقراطية للشعوب" المؤيد للكرد أن اتفاق دمشق و"قسد" أسقط حجة أنقرة القديمة بأن التطورات في سوريا تعرقل التقدم في عملية السلام الكردية داخل تركيا. وأفادت مصادر أمنية تركية لـ "رويترز" بأن الاتفاق بين دمشق و"قسد" يمثل "نقطة تحوّل تاريخية".