الدكتور سايد حرقص

الصراع الفرنسي – الأميركي على لبنان

5 دقائق للقراءة

منذ إعلان الاستقلال عام 1943، تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى. فبفعل موقعه الجغرافي الفاصل بين المتوسط والشرق العربي، وتركيبته الطائفية الهشّة، أصبح نقطة تماس دائمة بين مشروعين متناقضين: فرنسا التي اعتبرت نفسها راعية الكيان منذ الانتداب، والولايات المتحدة التي صعد نجمها بعد الحرب العالمية الثانية، وسعت بعد أن ورثت النفوذ البريطاني في الشرق إلى انتزاع الحضور الفرنسي أيضًا.

تاريخيًا، تعود علاقة فرنسا بموارنة لبنان إلى زمن الملك لويس التاسع، الذي أعلن عام 1250 من مدينة عكا أن «أمة القديس مارون» هي جزء من الأمة الفرنسية. ثم جاء الملك فرنسيس الأول ليوقع عام 1535 مع السلطان سليمان القانوني معاهدة لحماية الكاثوليك في الشرق. وفي عهد لويس الرابع عشر، وُضعت الكنيسة المارونية عام 1649 تحت حماية فرنسا، لتتكرّس هذه الرعاية في مراحل لاحقة، خصوصًا مع تدخل نابليون الثالث سنة 1860 عقب المجازر التي استهدفت الموارنة في جبل لبنان. وفي عام 1920 لعبت فرنسا دورًا محوريًا عبر دعم البطريرك الماروني الياس الحويك في مؤتمر فرساي لإعلان "لبنان الكبير" بحدوده الحالية وظلت تدير البلد عبر "المفوض السامي" حتى 1943.

أما الحضور الأميركي، فيعود إلى القرن التاسع عشر، حين افتتحت واشنطن أول مركز دبلوماسي لها في بيروت عام 1833، ثم أسست "الكلية السورية الإنجيلية" التي أصبحت لاحقًا الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1866 التي ساهمت بتخريج قادة مازال بعضهم يدير سياسة الشرق حتى اليوم. ومنذ الاستقلال، بدأت واشنطن بمحاولة اختراق البيئة المارونية المرتبطة تاريخيًا بفرنسا، ووجدت فرصتها في صعود نجم كميل شمعون، المحامي الشاب المتحالف مع البريطانيين والأميركيين، والذي عزّز موقعه بزواجه من زلفا تابت ابنة العائلة الثرية ذات النفوذ.

بدعم أميركي، وصل شمعون إلى رئاسة الجمهورية عام 1952، متقدمًا على حميد فرنجية المحسوب على الخط الفرنسي، ليبدأ عهد النفوذ الأميركي المباشر. غير أن المدّ الناصري وتنامي اليسار العربي أدّيا إلى أزمة 1958، التي دفعت شمعون لطلب تدخل عسكري أميركي. وفي 15 تموز، نزلت قوات المارينز في بيروت ضمن عملية “الخفاش الأزرق”، قبل أن تغادر بعد أشهر. مع نهاية الأزمة، تراجع شمعون، لتعود فرنسا عبر دعمها للجنرال فؤاد شهاب، الذي جسّد خيار الحياد والتوازن، فيما أخفقت واشنطن في توظيف الحزب السوري القومي الاجتماعي كأداة انقلابية.

مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، بدأ النفوذ الفرنسي يتراجع تدريجيًا، بينما عزز الأميركيون حضورهم عبر الجيش اللبناني وبعض القوى المسيحية المقاومة للمشروع الفلسطيني. ومع دخول الجيش السوري عام 1976 بغطاء أميركي–عربي، تقلّص الدور الفرنسي أكثر، وانحصر في المجالين الثقافي والتربوي.

عام 1982 بلغت الاندفاعة الأميركية ذروتها بدعم انتخاب الرئيس الشهيد بشير الجميل، ثم محاولة تمرير اتفاق 17 أيار في عهد شقيقه الرئيس أمين الجميل. لكن الاتفاق سقط بفعل تنامي النفوذ السوري–الإيراني. أما فرنسا، فاكتفت بالحضور الرمزي عبر القوات المتعددة الجنسيات من دون قدرة قوية على التأثير.

عام 1983 تم تفجير السفارة الأميركية ومقر قوات البحرية الأميركية ، وراح ضحيتها 258 أميركياً، و58 فرنسياً، مما دفع البحرية الأميركية والقوات المتعددة الجنسيات إلى الانسحاب من بيروت.

عام 1988، استعادت فرنسا حضورها التقليدي وشكّل مسار العماد ميشال عون محطة جديدة في هذا الصراع. فقد اعتبرته باريس رجلها الأول في لبنان، وربطته بتحالفها مع نظام صدام حسين. لكن هزيمة بغداد أمام واشنطن أسقطت الرهان الفرنسي. وسقوط عون في 13 تشرين الأول 1990 لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل تجسيدًا لقرار أميركي أعطى سوريا تفويض الوصاية على لبنان مكافأة على مشاركتها في حرب الخليج. أما فرنسا، فاضطرت للانكفاء مكتفية باستقبال عون في المنفى. بالتوازي، حصلت إيران على مكسب استراتيجي تمثّل بالإبقاء على سلاح "حزب الله" كذراع للحرس الثوري.

اتفاق الطائف عام 1989 جاء برعاية سعودية–أميركية وكرّس الوصاية السورية، فيما بقي الدور الفرنسي ثانويًا. وقد نقلت باريس علاقاتها من الحصر بالموارنة إلى العائلات السنية، خاصة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي شكّل شريكًا مفضّلًا لها. لكن اغتيال الحريري عام 2005 غيّر المعادلة: فقد انخرط شيراك في شراكة مع واشنطن لإخراج الجيش السوري من لبنان.

بعد الانسحاب السوري، بقي لبنان ساحة تجاذب: واشنطن دعمت قوى 14 آذار، والجيش، والمجتمع المدني، وكثّفت عبر USAID نشاطاتها التنموية والتعليمية، فيما تأرجحت فرنسا بين التنسيق مع الأميركيين والانفتاح على "حزب الله". ومع الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، عاد ماكرون بمبادرات إنقاذية، لكنها بقيت بلا أدوات ضغط فعالة ثم ما لبثت أن تلاشت بعد أن فرضت أميركا عقوبات على وزراء لبنانيين سابقين يدورون في فلك تحالف الممانعة، في هذا الوقت عززت واشنطن دعمها للجيش، وأقامت قاعدة عسكرية في مطار حامات.

بعد فشل فرنسا في عام 2025 في تمرير مشروع التجديد التقليدي لليونيفيل، ونجاح الولايات المتحدة في فرض انسحاب قوات الأمم المتحدة بحلول 2027، تتجه باريس الآن إلى تعزيز حضورها عبر مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر في آذار 2026، في خطوة تعكس سعيها لتعويض الفرصة الضائعة، بعد أن كانت واشنطن قد ألغت في وقت سابق مواعيد زيارة قائد الجيش إلى أراضيها.

منذ الاستقلال وحتى اليوم، بقي لبنان ساحة لتقاطع المصالح الخارجية. تنظر واشنطن إليه من منظور أمن إسرائيل وموقعه الاستراتيجي كبوابة للشرق، فيما تحاول فرنسا التمسك بدورها التاريخي وثقافتها الفرانكوفونية. ورغم نجاح أميركا في فرض نموذجها التعليمي، ونجاح فرنسا في الحفاظ على البعد الثقافي، فشل الطرفان معًا في تمكين لبنان من بناء دولة قوية ومستقلة. وهكذا ظل لبنان ملعبًا لتصفية الحسابات ومسرحًا لصراعات الآخرين، بدل أن يكون وطنًا حرًا يقرر مصيره بنفسه.