المحامي محمد آصف ناصر

Dulcinea

6 دقائق للقراءة

في مسرحية The Man of La Mancha يرسم دون كيخوته صورة المرأة الكاملة في مخيلته المؤسسة على صورة الفتاة القروية ألدونزا لورينزو، لكن ألدونزا لا تشبه دوليسنيا بشيء إلا المظهر الجميل الذي تجسده صوفيا لورين في المسرحية. فدوليسينيا هي الفكرة الكاملة كما يجب أن تكون بينما ألدونزا هي الفكرة المثال التي حطمها الواقع.

وهكذا كانت روجافا، حلمًا في مخيلة الأكراد أصابت عدواه المكونات المقهورة حتى ظن بعضهم أن الجنرال عابدي سيوحد سوريا برئاسته ومضوا يحيكون الأحلام حتى تساقطت مع جثث القتلى من فوق أسطح الرقة ودير الزور وراحت كوابيس المصير العلوي الماثل في الوجدان تسابق المساجين الذين حُرِّروا من سجون قسد والذين كانوا حتى الأمس القريب يحملون داعش Trade mark حتى قرر السيد توماس باراك أن يجري عملية Rebranding تتماشى مع تطلعاته لتحقيق وحدة العراق والشام ويجعلها كلها مجالًا حيويًا واحدًا فيحقق وحدة سوريا الطبيعية وفق منظوره.

لتوماس باراك أيضًا دوليسنيته الخاصة، تسقط عند أقدامها التعددية وتـُصحح فيها أخطاء سايكس وبيكو ويخضع الجميع للباشاوت الجدد وهم يشربون الشاي العجمي من على شرفات الفيحاء المنتعشة برغد الدردنيل والبوسفور الممتد نفوذهما من دول البلطيق وبحر ليبيا إلى آسيا الوسطى مرورًا بأرتساخ، مع تحالف متين مع إيران بعد تعديل في سلوك النظام فتنشأ الإمبراطورية الحلم التي يروج لها كسدٍّ منيع بمواجهة التمدد الصيني.

لكن! ولكن طعنة فصحى، هل حقا ستقبل مراكز الدراسات بإمبراطورية تمتد من البحر الأسود وبحر قزوين مرورًا بالدردنيل والبوسفور وجبل طارق إلى قناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمس، مع عمق استراتيجي في آسيا الوسطى وتستقر لتسيطر على منابع الطاقة وعلى معابر التجارة الدولية مع المعادن النفيسة والنادرة الموجودة في آسيا الوسطى وأفريقيا؟ هل ستقبل القوى الاقتصادية العظمى أن تسيطر دولة واحدة على هذه الثروات فيصبح اقتصادها الأقوى فقط لتواجه مشروعًا مات ونُشرِت ورقة نعوته مع إعلان وزير خارجية الصين دعوة رعايا دولته لمغادرة سوريا.

الترويج لهذه الأفكار مضر بالصحة العقلية.

إن الاستقرار المنشود في المنطقة لا يعني السماح بنشوء قوى عظمى جديدة، ولا يمكن أن يتاح في هذا الصدد لإمبراطوريات في عقدة مواصلات العالم، أما التغيرات المشهدية فما هي إلا وضع كل في حجمه الطبيعي ومنع تشكل تحالفات بين المكونات قد تؤدي في المستقبل إلى نشوء كونفيدراليات اقتصادية.

من يظن أن سقوط مشروع قسد ومسد هو ضربة للانفصاليين مخطئ، فقسد ومسد ليستا مشروعًا انفصاليًا بل مشروعٌ وحدوي ضمن ترتيبات سياسية منها اللامركزية والفيدرالية، ما يفيد أن سقوط المشروع يفيد تقدم مشروع آخر يتبرأ الجميع منه والجميع يعمل لتحقيقه. ومع سقوط هيبة القيادات الكردية والصورة الرومانطيقية النضالية لتي يروجونها لهم بدأ التمثيل السياسي والعسكري الكردي يتركز في أربيل عند مسعود بارازاني، وما إسقاط هيبة مظلوم عبدي عبر الترويج لفكرة محافظ الحسكة، وإهانة صورة عبد الله أوجلان إلا رمزية لانقضاء التوزع القيادي في صفوف الاكراد وتركز كل ذلك عند القوة الاقتصادية والسياسية في كردستان العراق التي تشكل عقدة الوصل في مشروع كردستان المفترض أن يتجه شمالا ليصل لاحقا إلى البحر الأسود، كما يفترض أن يتوسع شرقًا بعد تصدع أساسات القلعة الفارسية وتهاويها، فمهما تحملت القلعة صدمات فإن كل صدمة تولد تصدعات في البنية الأساس ما يجعل من تهاوي البنية المتماسكة أمرًا حتميًا وفي قراءة القلعة الفارسية تعي مراكز الدراسات أن الشعب الإيراني هو شعب محب لوطنه لا يمكن أن ينْفض عن دولته جراء غزو خارجي بل على العكس فإن الاعتداء الخارجي سيزيد المجتمع الايراني صلابة في مواجهة التحديات الخارجية، لذلك لا بد من استعمال طريقة الصدمات المتتالية التي ستؤدي في المحصلة النهائية إلى تصدعات عميقة في اللبنة الأساس لهذه المنظومة.

على ضفة الطاقة المقابلة في فنزويلا انتهى المشهد وتستأنف شركات النفط العملاقة نشاطها، وفيما العالم ما يزال يناقش مشروعية اعتقال مادورو، كان البرنامج الأميركي قد رسم منذ زمن مشروعية العمل، فبالنسبة للقانون الأميركي مادورو لم يكن رئيسًا، فالولايات المتحدة الأميركية لم تعترف يومًا بمشروعيته، وبالنسبة لهذا القانون فإن مادورو متهم بالاتجار بالمخدرات، وعليه حسب القانون الأميركي كانت الإجراءات التي تمت بحق مادورو شرعية تمامًا.

لا تختلف قصة مادورو ونوريغا كثيرًا عن قصة ألستوم الفرنسية التي انتهت باستحواذ شركة جنرال ألكتريك على قطاع الطاقة فيها، وكما لم يحمِ النظام القضائي الفرنسي شركة ألستوم لم يستطع أن يقف عائقا أمام سداد شركة شلامبرجيه غرامات مالية باهظة للولايات المتحدة أو خضوع شركة توتال للتحقيق في ملفات (FCPA)، لذلك عندما قرر ترامب في ولايته الأولى إعادة فرض العقوبات على إيران سارعت توتال لإنهاء عقودها مع الدولة الإيرانية بالرغم من طلب ماكرون الاستمرار في تنفيذ العقود.

قد يعتبر غير المتخصص في القانون الدولي أن الأفعال الأميركية هي من قبيل الاعتداء أو القرصنة القضائية، لكن الحقيقة أن نظام القوانين العابرة للحدود معتمد في الغرب، لكننا كشعب عاطفي لا نريد أن نقرأ غير ما نحب نصفق للقضاء البلجيكي والبريطاني عندما يسطر مذكرة توقيف بحق نتنياهو وشارون، لكننا نستهجن اعتقال أميركا لمادورو، علمًا أن الأساس التشريعي في كلا العملين هو عينه: قوانين عابرة للحدود تطبق على أعمال يعتبرها القانون الوطني للدولة المشرعة خاضعة لاختصاصه.

من ضمن هذه القوانين نظام تشريعي أقرته الدول الغربية لمكافحة الإغراق، سنته هذه النظم لمكافحة الغزو التجاري الصيني لأسواقها، لكن هذه الأدوات لم تنفع فبادروا لاحقا لزيادة تكلفة الشحن وكذلك لم تنفع، فأسسوا اليوم لأسلوب مضاد هو إغراق سوق الطاقة، أي تنخفض تكلفة الطاقة حول العالم وترتفع في الصين فتصبح التكلفة الإنتاجية الصينية مرتفعة بصورة لا تستطيع الصين معها المنافسة، فيما تعمل توتال في البلوك رقم 8 للتنقيب عن الغاز يكون السؤال المشروع هل ستتابع هذه الشركة عملها أم أنها في لحظة ما ستنسحب تلبية لإشارات من وراء الأطلسي فتنكفئ عن المياه الشرقية للمتوسط متأكدة أن نظامها القضائي الوطني لن يحميها لكن في لبنان ستكون محمية من جزاء فسخ العقود كما كانت شركة AXA في العام 2020، عندما ضاعت التعويضات في خضم التحقيقات الاستقصائية والرسائل الخلبية والضجيج غير المهني، وتهديدات الحج للمحقق العدلي.

فالحج له في كل عرس قرص، حتى في لجنة الإدارة والعدل حيث يرسل الكراكيب ليسجدوا أمام السياديين فيرفعوا أيديهم بالابتهال والتمجيد وإعلان جهل العلويين بالتشريع والقانون وتنظيم شؤون الطائفة، واللافت أن يطرب السياديون لصوت الكراكيب فأصولُ وحيدًا بين مطرقة العدالة والسيادة وسندان المكتب السياسي كدون كيخوتيه محاربا طواحين الهواء، ومع ذلك تمكنت بالصبر والحكمة أن أحذف ما اشتمل عليه قانون الكراكيب من آثام وأن أعيد لدولسينيا رونقها، منشدًا مع أبي الطيب:

أطاعن خيلا من فوارسها الدهر

وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر.