ريتا عازار

تودّعه روما اليوم... فالنتينو غارافاني آخر أباطرة الأناقة

7 دقائق للقراءة

لم تكن الموضة بالنسبة لفالنتينو غارافاني بيانًا سياسيًا ولا صرخة جيل، بل كانت إعلانًا أبسط وأكثر جذرية. كان الجمال حاضرًا ويستحق الاحتفاء به. رحل فالنتينو (93 عامًا) في 19 كانون الثاني الجاري، كما عاش، محاطًا بالصمت والاحترام وفكرة راسخة عن الفخامة الخالدة. وبغيابه، يُسدَل السِّتار على فصل نادر في تاريخ الأزياء الراقية، فصل مصمّم لم يسعَ يومًا إلى الحداثة بأيّ ثمن، بل نشد الخلود.


وُلد فالنتينو كليمنتي لودوفيكو غارافاني عام 1932 في فوغيرا، بلدة صغيرة هادئة في شمال إيطاليا. نشأ في بلد لا يزال مثقلًا بآثار الحرب، لكنه كان مُشبعًا بحسّ فطريّ بالجمال في العمارة، الرسم، الأوبرا، والملابس المُفصّلة بِدقة. منذ نعومة أظفاره، كان يعرف ما يريد، لم يحلم بأن يصبح طبيبًا أو محاميًا، بل حَلم بالفساتين. تُروى حكايةٌ طريفةٌ عن طفولته، أنه حضر عرضًا لـ "أوبرا كارمن"، ولم تكن الموسيقى ما أثر فيه، بل اللون. الستائر، والديكورات، والأزياء، كانت كلّها حمراء. أحمرُ مسرحيٌّ، دراميٌّ، نابضٌ بالحياة. بعد عقود، أصبحت هذه الذكرى علامةً مميّزةً له وصار ذاك الأحمر: "أحمر فالنتينو".


باريس مدرسة الصرامة

في أواخر أربعينات القرن الماضي، سافر فالنتينو إلى باريس، درس في "مدرسة الفنون الجميلة"، ثمّ في "غرفة نقابة الأزياء". عمل لدى جان ديسيس، ثم لدى غي لاروش. علّمته باريس الانضباط، وفن الخياطة، والاحترام المطلق للملابس. لكن باريس لم تكن يومًا موطنه، بالنسبة إليه كانت باردة جدًّا ومثقفة جدًّا. وفالنتينو اللاتيني يتوق إلى الأحاسيس الدفاقة، وأشعة الشمس، والسينما. عاد إلى روما في أواخر الخمسينات، مقتنعًا بأن الأزياء الإيطالية الراقية قادرة على منافسة باريس. في ذلك الوقت، كان الأمر أشبه باستفزاز.


روما مهد إمبراطوريّته

عام 1960، افتتح دار أزيائه في شارع كوندوتي. كان الموقع استراتيجيًا، لكن النجاح لم يكن فوريًا حتى أنه كاد يُعلن إفلاسه. حينها دخل جيانكارلو جياميتي على الخط. كان لقاؤهما في تلك السنة حاسمًا. لم يكن جياميتي مصمّم أزياء فحسب، بل كان استراتيجيًا ومديرًا وصاحب رؤية. شكّلا معًا ثنائيًّا فريدًا: الفنان والمعمار. كانا عاشقَين لمدة اثنتي عشرة سنة، وشريكَين مدى الحياة. استندت علاقتهما التي كانت قويّة ثمّ تحوّلت، إلى ولاء راسخ، إذ قال فالنتينو لاحقًا: "لولا جيانكارلو، لما وُجد فالنتينو أبدًا".


صدمة جاكي كينيدي

التحوّل الحقيقيّ جاء عام 1964 إذ كانت جاكلين كينيدي أرملة الرئيس الأميركي جون كينيدي، تبحث عن مصمّم أزياء أنيق يُضفي لمسةً من الرقيّ على خزانة ملابسها، بعيدًا من الأضواء الأميركية، فوقع اختيارها على فالنتينو. وكان ذلك بمثابة زلزال صامت، إذ ارتدت جاكي تصاميم فالنتينو في كلّ مكان: في حياتها الخاصة، وفي الأماكن العامة، وحتى في صورها العفوية. وعندما تزوّجت أثرى أثرياء العالم، اليوناني الشهير أرسطو أوناسيس عام 1968، ارتدت فستانًا من تصميم فالنتينو. حينها أدرك عالم الموضة أن هذا الاسم الإيطالي لم يعد مجرّد وعد، بل أصبح مرجعًا في عالم الموضة.

يُقال إن جاكي قالت له ذات مرة: "فالنتينو، عدني أن تعيش حتى تبلغ المئة". صحيح أنه لم يبلغ هذا العمر، بل كاد يفعلها، لكن أعماله ستبقى خالدة.


نساء فالنتينو

إليزابيث تايلور، صوفيا لورين، كلوديا كاردينالي، أودري هيبورن، ولاحقًا جوليا روبرتس، كيت بلانشيت، غوينيث بالترو، كلّهن وسواهن كثيرات لبسنَ تصاميمه، إذ إن فالنتينو يُلبس النساء اللواتي يعرفن أنفسهن، فهو لم يسعَ لتغييرهن، بل لإبراز جمالهن. تكمن عبقريته في ذلك، فهو أدرك أن الفخامة ليست قناعًا، بل تأكيدًا. فساتينه لا تصرخ أبدًا، بل تهمس: "انظري عن كثب". كان يكره الاستفزاز غير المبرّر، يحتقر السخرية، والتفكيك. قالها بصراحة: "لا أريد أن أصدم، أريد أن أُغري". في عصرٍ باتت فيه الموضة أكثر جرأة، تبنى فالنتينو موقفًا يكاد يكون مُخالِفًا، إذ اختار الجمال الخالص.

الأحمر والهوس والسلاح الفتاك

"أحمر فالنتينو" ليس لونًا، بل حالة مزاجية، ليس داكنًا جدًا ولا ساطعًا جدًا، بل يلتقط الضوء بشكلٍ لا مثيل له. كان فالنتينو يقول دائمًا إن ما من امرأة تبدو عادية باللون الأحمر. كانت فساتينه على السّجادة الحمراء، تخطف الأنظار. أصبح هذا اللون الأحمر شعاره، علامته المميّزة، استخدمه كما يستخدم الآخرون شعاراتهم. لا حاجة لذكر اسمه فالجميع يعرفونه.

حياة سينمائية

عاش فالنتينو كما أبدع ببذخ مُتحكِّم فيه: فيلات في روما، لندن، نيويورك، وكاب دانتيب. حفلات عشاء فخمة، صداقات مع الطبقة الأرستقراطية الأوروبية، مجموعة فنية، طائرات خاصة. وكلابه الـ "Pug" الشهيرة، التي كان يُعاملها كالأمراء.

يُظهر الفيلم الوثائقي "فالنتينو الإمبراطور الأخير" (2009) هذه الحياة دون تزييف الفخامة، ولكن أيضًا الضعف، الغضب، والشكوك. يظهر فالنتينو كشخص يسعى للكمال، قاسٍ أحيانًا، ومؤثر في كثير من الأحيان، مهووس بالتفاصيل، مرعوب من فكرة ارتكاب خطأ.

العرض الأخير

عام 2007، عن عمر يناهز 75 عامًا أعلن فالنتينو اعتزاله. كان عرضه الأخير للأزياء الراقية في باريس، باللون الأحمر بالكامل. وداعٌ بلا حنين، بل بأناقةٍ آسرة. غادر المسرح قبل أن يتحوّل إلى مجرّد صورة كاريكاتورية لنفسه. أناقة نادرة. بعده، استمرّت الدار، لكن شيئًا ما مات: السُّلطة الفطريّة لمؤسِّسٍ اتخذ قراراته من دون الرجوع إلى التوجّهات السائدة.

الحبّ والوحدة والوفاء

لم يُرزق فالنتينو بأطفال، وظلّ حبّه الأكبر جيانكارلو جياميتي. عاش في عزلة، خاصةً بعد تقاعده، لكنه لم يتذمّر قط. فقد اعتبر الإبداع تضحيته وامتيازه في آن. لطالما قال: "أهديتُ حياتي للجمال، فأعادها إليّ". لكن فالنتينو كان يُخفي خوفًا دفينًا لم تعرفه إلّا قلّة، كان يخاف النسيان الصامت. ليس ذلك النوع الوحشي الذي تحرّكه وسائل الإعلام، بل النوع الأقسى، حيث يتوقف الناس تدريجيًا عن النظر. لهذا السبب ظلّ يدخل مشاغل الأزياء في وقت متأخر جدًا، من دون سابق إنذار. يلمس الأقمشة، ويعدّل حافة ثوب، ويسأل عن سبب طول كمّ ما بمقدار ملليمتر واحد، ليس بدافع السُّلطة، بل بدافع الضرورة.

حماية الجمال

بالنسبة لفالنتينو، لم يكن الجمال أمرًا مفروغًا منه. كان عليه أن يدافع عنه كلّ يوم، وأن يحميه تقريبًا من كسل العالم. كان بإمكانه الوقوف لدقائق طويلة أمام فستان جاهز، بلا حراك، كما لو كان يستمع إلى أنفاسه. ثم يقول ببساطة: "إنه حيّ".

هذه العلاقة العميقة مع الملابس تفسِّر أيضًا رفضه العروض السطحية، كان فالنتينو يؤمن بالزمن، وبذاكرة الملاحظة. كان يعلم أن المرأة لا تتذكر عرض الأزياء بسبب صراخه، بل بسبب شعورها بأنها قد فُهمت. روى كيف راسلته إحدى عميلاته بعد سنوات، تخبره أنها ارتدت أحد فساتينه يوم قرّرت الانفصال عن زوجها الذي لم تعد تحبّه، وأضافت: "إنه مجرّد فستان". احتفظ فالنتينو بالرسالة. لم يؤطّرها قط، ولم يُطلع عليها أحدًا. أبقاها في درج، كَسِرّ ثمين.

في أواخر حياته، عندما كان الناس يسألونه عمّا يندم عليه، كان يجيب: "لا شيء، ربما باستثناء عدم توفر الوقت الكافي لتصميم فستان مثالي آخر". ثمّ يبتسم ابتسامة خالية من المرارة، ابتسامة رجلٍ كان يعلم أنه، رغم كل شيء، سيترك وراءه أكثر بكثير من مجرّد أسلوب، فكرة معيّنة عن الرقي.


موت أيقونة كلاسيكية

جنازته، التي ستقام اليوم الجمعة في روما، سيحضرها مصمّمون وممثلات وشخصيات سياسية وعامة الناس. وستكون خطابات قليلة مدوّية. سيكون صمتٌ مطبق. وكأن المرء مضطرٌّ إلى الهمس حول فالنتينو.

برحيله، اختفت كلمةٌ كادت تُنسى في عالم الموضة المعاصرة: الأناقة، ليس كتظاهُر، بل كقيمةٍ أخلاقية. لم يرغب فالنتينو قط في أن يكون ثوريًا، بل فضل أن يكون حاميًا لمثالٍ يُمكن فيه لثوبٍ أن يُغيّر مشيةً وإطلالةً، وأحيانًا حياةً بأكملها. ولعلّ هذا، في نهاية المطاف، إرثه الأثمن.