بعد اتفاق الطائف، تحول الياس حبيقة إلى الرجل القوي في النظام اللبناني الجديد، لأنه كان مدعومًا بشكل لافت من النظام السوري، لكن هذا الدعم تراجع فجأة في انتخابات عام 2000 حين تخلى عنه "حزب الله" انتخابيًا، في خطوة شبهتها الصحافة المحلية يومها بالإعدام السياسي ممّا أدى إلى تراجع نفوذه السياسي لدرجة كبيرة وبات خارج الحسابات الوزارية.
بعد ذلك بسنتين، وتحديدًا في 24 كانون الثاني 2002، اهتزّت الحازمية على وقع انفجار هائل أودى بحياته. جاء الاغتيال قبل أيام قليلة من موعد استدعائه إلى بروكسل للإدلاء بشهادته حول مجزرة صبرا وشاتيلا. وبعد ساعات على الانفجار، خرج مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي نصري لحود، ليعلن أنّ إسرائيل هي الجهة المنفِّذة.
غير أنّ هذا الاتهام بقي في الإطار النظري والسياسي، من دون أن تبذل الجهات القضائية والأمنية، اللبنانية أو السورية أو تلك المرتبطة بـ "حزب الله"، أي جهد حقيقي ملموس لتقديم معلومات أو أدلّة تدعمه. ويزداد الأمر غرابة إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ الانفجار وقع على أبواب الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الرئيسي لـ "حزب الله"، حيث يُعَدّ أي اختراق إسرائيلي مفترض تهديدًا مباشرًا لقياداته قبل أي جهة أخرى.
صحيح أنّ حبيقة كان يمتلك معلومات دقيقة وحسّاسة تتعلّق بالاجتياح الإسرائيلي للبنان وبمجازر صبرا وشاتيلا، وأن شهادته أمام القضاء البلجيكي كانت على الأرجح ستُزعج الكيان الإسرائيلي نظرًا لحجم ما يملكه من معطيات بحكم دوره كأحد أبرز المسؤولين الأمنيين الفاعلين في تلك الحقبة. إلّا أنّ تقاعس الأجهزة الأمنية اللبنانية ـــ السورية، التي كانت تتحكّم آنذاك بكل مفاصل الدولة، عن تقديم أي إثبات ولو بسيط، أو حتى صياغة رواية مقنعة أو دليل قضائي يثبت تورّط إسرائيل، أبقى الاتهام الأولي في الإطار السياسي ولم يسمح بارتقائه إلى مستوى قضائي جدي.
وزاد من الشبهات السلوك المريب للسلطات التي سارعت إلى تنظيف موقع الانفجار بسرعة قياسية، وهو ما فتح الباب أمام علامات استفهام كثيرة، ظلّت في مستوى الهمس نظرًا لحساسية الظرف السياسي والأمني في تلك المرحلة.
غير أنّ تحقيقاتٍ صحفية نُشرت لاحقًا شكّكت في الرواية الرسمية، وأشارت إلى أنّ ملف شهادة حبيقة في بروكسل لم يكن السبب الوحيد الذي يجعل اغتياله لغزًا معقّدًا. فثمّة ملف أقدم وأكثر حساسية، وهو قضية اختفاء الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة منذ 4 تموز 1982. وقد تبيّن لاحقًا أنّ بعض هؤلاء لم يكونوا دبلوماسيين بالمعنى التقليدي، بل ضبّاطًا أساسيين في الحرس الثوري الإيراني قدموا إلى لبنان في مهمة سرّية، وفق معلومات جديدة ظهرت مؤخرًا في إيران.
في نيسان 2023، فاجأ قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، اللبنانيين والإيرانيين حين وصف أحد الدبلوماسيين المفقودين، أحمد متوسليان، بـ«الشهيد». وبعد ذلك، أشارت تحقيقات صحفية إلى أنّ متوسليان لم يكن دبلوماسيًا بالمفهوم التقليدي، بل قائدًا ميدانيًا أُرسل إلى لبنان لتدريب وتأسيس خلية للحرس الثوري في البقاع، ضمن التعاون الإيراني مع النظام السوري آنذاك، وهو التعاون الذي مهّد لاحقًا لولادة النواة الأولى لـ«حزب الله».
بحسب تحقيقات الاجهزة الأمنية اللبنانية فأن الايرانيين احتُجزوا على حاجز البربارة، ثم سلموا إلى جهاز الأمن الذي كان يرأسه إيلي حبيقة في الكرنتينا، قبل أن يختفوا نهائياً.
القضية عادت للضوء ،قبل عامين من اغتيال حبيقة، مع أصدار روبير حاتم، المعروف بـ«كوبرا»، سنة 2000 كتابه «من إسرائيل الى دمشق طريق الدم والخيانة»، موثقاً فيه رواية مفصلة عن مصير الإيرانيين الأربعة، وزاعماً أنهم قُتلوا داخل مقر جهاز الأمن في الكرنتينا وأحرقت جثثهم بالكلس. هذه الرواية الجديدة وضعت حبيقة في دائرة الشبهات، كمسؤول أمني على معرفة بمصير الدبلوماسيين الإيرانيين مما دفع حزب الله الى التخلي عن التحالف مع حبيقة واسقاطه انتخابيا في دائرة بعبدا في انتخابات سنة 2000 بعد أن كان نائبا عن هذا القضاء لمدة طويلة وبدعم من حزب الله.
بناء على ما تقدم من اغتال الوزير الياس حبيقة؟
الأكيد أنّ حياة إلياس حبيقة، بوصفه شخصية مخابراتية تنقّلت بين إسرائيل وسوريا، كانت مليئة بالغموض والأعداء والضحايا، فضلًا عن كونه صندوقًا أسود يختزن معلومات سرّية ودقيقة عن حقبة طويلة ومظلمة من تاريخ لبنان. فمن جهة، لا يمكن إغفال البعد الإسرائيلي، إذ إنّ الكيان الصهيوني كان يومها منزعجًا من شهادته المرتقبة في بروكسل التي قد تكشف تورّطه في جرائم إبادة. غير أنّ أحداث غزة الأخيرة كشفت امتلاك إسرائيل قدرة إعلامية وسياسية هائلة على تبييض تاريخها في أي محفل دولي، والدليل أنّ الدعوى في بروكسل، كما في غيرها، انتهت من دون أن تترك أثرًا سلبيًا يُذكر على الكيان. لكن الأكيد ايضا أنّ إسرائيل تمتلك القدرة والخبرة في تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة ومحكمة مثل إغتيال حبيقة من دون أن تترك دليلا واضحا نظرا لخبرة اجهزتها الأمنية والمخابراتية الطويلة في هذا المجال .
ومن ناحية أخرى، قدّم كتاب «كوبرا» معلومات دقيقة حول مصير الدبلوماسيين الإيرانيين، وهو ما دفع حزب الله، بعد صدور الكتاب، إلى المسارعة في اغتيال حبيقة سياسيًا عبر إسقاطه في الانتخابات النيابية لعام 2000. علمًا أنّ أسلوب الاغتيال الذي تعرّض له يشبه سلسلة اغتيالات لاحقة نُسبت إلى حزب الله، مثل إغتيال الرئيس رفيق الحريري، والصحافي جبران تويني، الذي بدأ سياسيا عبر تشويه صورتهم لينتقل بعدها الى التصفية الجسدية.
غير أنّ هذه الفرضية لم تُحقَّق قضائيًا، وبالتالي لم يصدر أي دليل معلن يثبتها أو ينفيها..
اغتيال إيلي حبيقة يظل أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث. كل الأطراف كان لها أسبابها للخوف من الرجل، وكلها كانت تتحسس من أسراره وقدرته على قلب روايات مستقرة منذ سنوات.
القتلة نجحوا في تفجير الصندوق الأسود، ودفنوا التحقيق معه، تاركين الحقيقة مدفونة تحت غبار الإهمال وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، تماماً كما حدث في سلسلة الاغتيالات السياسية السابقة واللاحقة في لبنان.