لا يتقن المسلسل التاريخي Knightfall (سقوط الفارس) تحليل حقبة محورية من تاريخ العالم بالشكل الذي يستحقه هذا الموضوع. إنه عمل طموح وواعد لكنه يتمسك بالأفكار التقليدية والمألوفة وغالباً ما يخلط بين العنف والوحشية في محاولةٍ منه لتقديم مشاهد مقنعة. يستعمل هذا المسلسل "فرسان الهيكل" كنقطة انطلاق لحقبة متقلبة جداً من تاريخ فرنسا والعالم بشكل عام، لكنه يُركّز في معظم الأوقات على أقل الجوانب جاذبية.
يحاول المشهد الأول أن يعكس ضخامة المعركة التي أنهت حملة الصليبيين لبلوغ الأرض المقدسة، لكن لا يتخذ المسلسل منحىً أعمق إلا عند انكشاف قصص فرسان الهيكل، فلا يكتفي حينها باستعمال المؤثرات البصرية المبهرة لإعادة تجسيد التاريخ بكل بساطة.
في محكمة الملك الفرنسي "فيليب" الرابع والملكة "جوان"، يصبح فارس الهيكل "لاندري" (توم كولين) أكثر من مجرّد خادم مطيع للعرش وشريك عابر للملك. "لاندري" هو بطل القصة الحقيقي وسرعان ما يصبح البحث عن الكأس المقدسة ركيزة المسلسل الأساسية.
لكنّ المبعوث الملكي "ويليام دو نوغاريت" هو الذي يخطف الأضواء في جميع المواقف. يتحكم هذا الرجل الغامض بشؤون الحُكم في فرنسا وبالمسائل الدولية أيضاً، وتستعمل شخصيته محادثات هادئة ومألوفة كتلك التي تخوضها الشخصيات التي تستمتع في العادة بطبيعة مخططاتها الشريرة والخبيثة. لكن يضفي الممثل جوليان أوفيندين كاريزما مميزة على هذه الشخصية الماكرة، مع أن أفعاله تزداد حقارة وسوءاً على مر الأحداث.

تُعتبر الكأس المقدسة مسألة شائكة ومثيرة للفضول ويتخذها المسلسل ركيزة أساسية لأحداثه، فهي تحمل معاني متنوعة بالنسبة إلى مختلف الشخصيات، ما يثبت أهميتها كرمز ثقافي منذ القرن الثالث عشر. لكن حين تصبح هذه الكأس محور المسلسل بكل وضوح، لا مفر من أن يتخبط العمل ويتحرك في اتجاهات مختلفة. عند التعامل مع الكأس باعتبارها قطعة أثرية ترمز إلى الإيمان، يحلل المسلسل بشكلٍ عابر تفوّق المذابح الجماعية على الأغراض الملموسة. لكن عندما تتكلم الشخصيات عن القوى الشفائية المدهشة للكأس المقدسة، يتخذ المسلسل بُعداً خيالياً مضاعفاً. وحين تصبح الكأس هدفاً يتصارع عليه المرتزقة المتناحرون، تتحرك الأحداث تمهيداً لسرد قصة تجسّس من القرون الوسطى.
لن يكون أيٌّ من هذه الاتجاهات شائباً بالضرورة (إلا إذا فكرنا بالتبرير الأخلاقي المثير للجدل عند تفسير السبب الأصلي لاندلاع تلك الحرب الدموية). لكن حين تتشابك هذه العوامل، تسود فوضى معيّنة في الأحداث التاريخية المعروضة، وهي تتجاوز الحوافز المريبة التي تحملها الشخصيات المحورية في القصة.
على صعيد آخر، من الممتع وغير المتوقع أن يتعامل مسلسل تاريخي مع شخصياته الملكية بهذه البساطة النسبية. يبدو الملك "فيليب" (إيد ستوبارد) قائداً صُوَرياً تعيساً بدل أن يجسّد القوة الطاغية التي يعكسها معظم الملوك في الأعمال التلفزيونية (يريد هذا الملك نظرياً توحيد أوروبا كلها تحت نظام ملكي واحد). أما الملكة "جوان" (أوليفيا روس)، فهي تواجه معضلتَين مختلفتَين ومحددتَين، لكن لا يعطيها المسلسل أحداثاً كثيرة خارج أسوار القصر نظراً إلى مكانتها كامرأة في نظام إقطاعي.
سيجد محبّو المسلسلات التاريخية في هذا العمل عدداً كبيراً من المواجهات المحتدمة وقصص الحب الممنوعة التي تجذبهم إلى هذا النوع من الأعمال. يشمل المسلسل دراما عائلية غامضة طبعاً، لكنه يفتقر في المقابل إلى مكائد القصر المألوفة في هذه القصص. ويسهل أن نشعر بأن المسلسل ما كان ليتغير كثيراً لو أن أحداثه تدور في قرن مختلف أو ضمن تسلسل هرمي أكثر حداثة بدل تلك الإمبراطورية الناشئة.
يجسّد الممثل جيم كارتر دور البابا بونيفاس الثامن: لا تناسب هذه الشخصية القوية بقية جوانب المسلسل دوماً لكنها تعكس جزءاً مميزاً من الملاحم التاريخية والدينية القديمة. يظهر البابا بدور الشخص الطيب منذ البداية، فيحرص بكل بساطة على أن يحافظ أعضاء العائلة المالكة والفرسان على شرفهم ويرسّخوا النظام من حولهم بالتساوي. لكن تثبت هذه الشخصية مجدداً إصرار المسلسل على تبديد أي غموض حول الشخصيات التاريخية التي يتطرق إليها.
في ما يخص تعامل الفرسان مع العرب أو ردّهم على اضطهاد أعضاء من الجماعات اليهودية المقيمة في فرنسا، يعرض المسلسل مواقف بطولية مفرطة قد تبدو غير مقنعة في بعض المشاهد أو رجعية في لقطات أخرى. هذه المقاربة تمنع العمل أحياناً من تطوير الشخصيات التي لا ترتدي دروعاً معدنية.
في النهاية يبدو مسلسل Knightfall، في نصف موسمه الأول على الأقل، تجسيداً مبهماً لحقبة زمنية تتطلب مستوىً أعلى من التقييم العميق. قد يكون تحويل الشخصيات التاريخية إلى أفراد عاديين يواجهون مشاكل هائلة ويعبّرون عن أحقادهم وقُصْر نظرهم عبر سفك الدماء بمستوى كارثي نهجاً مبرراً لتقريب المشاهدين من الشخصيات التي يتابعونها. لكن حين يصبح هذا النهج ركيزة لجميع حلقات المسلسل، لا مفر من أن تبدو تلك الحقبة التي غيّرت وجه العالم حرفياً مجرّد فترة عادية وغير مؤثرة.