يثير خطاب السوق في ما يتعلق بوزارة الخارجية بالذات إشكالات تتخطى الواقع الآني كما هو متداول في وسائل إعلامية وحوارات متلفزة. تكشف بعض التصريحات آليات المخادعة وإرادة السيطرة منذ اتفاقية القاهرة سنة 1969 وتداعياتها ثم اتفاقية قاهرة متجددة وكوارثها في 6/2/2006.
1. التلاعب والزبائنية: يمكن التحكم باللبنانيين – ولا نقول بلبنان الذي يتمتع بمناعة ذاتية قصوى بالرغم من الاحتلالات والكوارث – بوسيلتين: التلاعب بالدستور اللبناني خلف مقولات توافق وميثاقية وحصص وحقوق طائفة وطوائف... أو بالاستيلاء على مواقع وزارية، وبشكل خاص وزارتي المالية والخارجية.
لم يتم التركيز ماضيًا على بعض كتابات ميشال شيحا الذي يحذر من التلاعب بجوهر الدستور اللبناني. يقول ميشال شيحا: "تُستغل كل الوسائل للتلاعب بالدستور اللبناني manipulation في كل فترات من الزمن. انها الآفة بالعمق في النظام وهذه الآفة ليست مسؤوليتها في الشعب": Politique intérieure, p. 235 وكتابنا: ميشال شيحا والقراءة المعاصرة للدستور اللبناني، قيد الإنجاز، 2026.
تستحيل السيطرة على اللبنانيين بالقوة المباشرة بفضل تعددية النسيج الاجتماعي والتمسك الغريزي بالحريات. لكن يمكن السيطرة على اللبنانيين بوسيلتين: بالزبائبنية وأيضًا التلاعب بجوهر قواعد الدستور اللبناني! هل نحن مواطنون أم زبائن؟ يمارس أكثر من نصف اللبنانيين التموضع والتذاكي والمعليشية ويمكن شراؤهم بمئتي دولار في انتخابات، أو بمنصب، أو بمناقصة مشبوهة، أو بمعاملة غير قانونية.
أما التلاعب بالدستور اللبناني فمارسه بتقنية قصوى نظام الأسد في ربطه إعادة تمركز جيش الأسد في لبنان "بالطائفية" وإلغائها وبمجموعة من الشروط المسبقة، يقينًا راسخًا من هذا النظام أن الدستور في لبنان ليس القاعدة الأسمى، بل مسألة جدلية أزلية وببغائية لا نهاية لها!
2. مخادعات للسيطرة: خلال عدة ندوات شاركت بها بشأن الدستور اللبناني منذ وثيقة الطائف سنة 1989 كان كل هاجس بعض المشاركين، من خلال مقولات التوافق والميثاقية والحصص وحق الطائفة... ليس تصويب المسار الدستوري، بل استكشاف وسائل التلاعب والمخادعة! لا دستور ولا قانون أساسًا في حال عدم توفر حسن النيّة! اعتمدت عدة وسائل في هذا السياق، بخاصة بعد اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006، منها السيطرة على وزارتي المالية والخارجية كملكية حصرية لطائفة أو لطائفة ملحقة بمنظومة احتلال مباشر أو بالوكالة.
من هي الجهة التي عمّمت الوهم بالسيطرة على لبنان؟ يكمن المنبع في اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 في تحالف عمّم الوهم بإمكانية السيطرة على لبنان في تحالف شيعية سياسية مع مارونية سياسية متجددة. وعمّم هذا التحالف الإدراك لدى قوة إقليمية بالسيطرة على لبنان. وتعممت تأويلات حول رئاسة جمهورية ليست "رئاسة دولة" (المادة 49)، وتأليف حكومات برلمانات مصغرة وليس حكومات "إجرائية" (الفصل الرابع) وتحويل وزارتي المالية والخارجية إلى ملكية فئوية.
***
هل ينكشف القناع أم يستمر لبنانيون في سجالات ببغائية من الماضي في نقد وزير خارجية ينفذ سياسة الحكومة ويتقيّد بالقيم التأسيسية للبنان وقواعد الدولة وسيادتها؟ يتطلب ذلك تحولًا صعبًا في سجالات وحوارات متلفزة. هل وظيفة الإعلام تعميم خطاب السوق أم التصويب وقراءة الواقع؟
بشهادة العديد من الدبلوماسيين في تاريخ لبنان الدبلوماسي تستحيل السيطرة على لبنان. يقول William B. Quandt الدبلوماسي والجامعي الأميركي: "لبنان معلم قاس harsh teacher والذين يحاولون جهل واقعه المعقد من المخططين الإسرائيليين الكبار أو المتفائلين المرضاء في واشنطن والسياسيين اللبنانيين الطامحين يدفعون بالنهاية ثمنًا باهظًا". ويصف David Hale، سفير الولايات المتحدة الأميركية في لبنان سابقًا، استدراج بعض اللبنانيين المغامرين التدخل الخارجي والاستقواء في نزاعات داخلية وبحثهم عن دعم خارجي: David Hale, American Diplomacy toward Lebanon, I. B. Tauris, 2024.
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019