لسنا هنا في معرض الرد على التفاهة والسفاهة التي استهدفت فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لاستخدامه تعبير "تنظيف" (جنوب نهر الليطاني) في توصيف إتمام الجيش اللبناني للمهام الموكلة اليه في تلك المنطقة الغالية على قلب كل لبناني دون استثناء.
وكان فخامة الرئيس قد أقرن ذلك القول بوضعه في سياق تجريد إسرائيل من الذرائع التي تستعملها بهدف الابقاء على احتلالها لبقع استراتيجية في تلك الأجزاء العزيزة من الأرض اللبنانية، وما تنفّذه يوميًا من اعتداءات واغتيالات وأعمال ترهيبية شتّى فيها.
خلال استضافة برنامج "صار الوقت" لمعالي وزير العمل الدكتور محمد حيدر ليل الخميس الفائت، ردّ على محاورة الأستاذ مرسال غانم له في هذا الموضوع أن هناك ملاحظات على كلام الرئيس جوزاف عون، "وعلى الأكيد خانوا (أي خانه) التعبير".
طبعاً، معالي الوزير حيدر في منزلة أعلى بالكثير الكثير من أصحاب الأبواق الذين سجّلوا تلك "المآثر" في قلة الأدب تجاه رئيس الجمهورية في وسائل التواصل الاجتماعي. فمعاليه انسانٌ متميّزٌ في علمِه وانجازاتِه في الحياة ورقيّ قدراتِه الحوارية ومعرفتِه المدهشة وعن ظهر قلب بالتفاصيل الدقيقة لعمل وزارته، إضافةً الى ما تبيّن لنا عنه من ميزات المبادرة والتحرك السريع للبتّ في المشاكل المعقّدة التي تقضّ مضاجع كافة المواطنين من عاملين ومتقاعدين.
معذورٌ هو وزير العمل في ما علّقَ به، إذ لا بد أنه قصد أن يمسك بالعصا من نصفها وأن يخفّف بالأخص من وقع ذلك "التعبير" على أولئك الشتّامين الجهلة الذين تنقصهم المعرفة بمعناه العسكري التقني.
في التعريف، فإن "عملية تنظيف" (mopping-up operation) في السياق العسكري هو تعبير يُستَعمَل عالمياً للدلالة على تأمين موقع أو منطقة لتصبح خالية من أية عناصر بشرية و/أو مادية ذات طابع حربي. كما أن الجيوش الشرعية والميليشيات لا الشرعية تستعمِلُه في تلك الحالات على حد سواء!
وباعتبارِهِ رجلاً عسكريًا بالمهنة، فإن فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون استعمل ذلك التعبير بشكل تلقائي وطبيعي لتوصيف ما انتهى الجيش اللبناني من إنجازه من مهام في منطقة جنوب الليطاني ككل. بالطبع، فإنه قصد ذلك على صعيد العناصر المادية من مخابئ أسلحة وعتاد الخ، إذ أن الجيش اللبناني لم يدخل في قتال مع عناصر بشرية تابعة للمقاومة أثناء قيامه بعملية "التنظيف" تلك، وذلك نتيجة التفاهمات المعروفة التي حرص رئيس الجمهورية على إقامتها في الداخل والخارج (وعلى حساب رصيده خاصةً في الخارج!) لكي تتمّ المهمة برمّتها سلمياً بين أبناء الوطن الواحد ولو أخذت وقتاً أطول من اللازم.
فهل هكذا تتمّ مكافأته، أو على الأقل شكره، على ذلك؟
للجهلة ايّاهم نزيد ونقول أن عملية "التنظيف" هذه هي محطّة في المسار الطويل الذي يؤول إلى "مسح" (في المعنى الحرفي لفِعل To mop بالانجليزية) آثار العدوان الاسرائيلي على بلدنا، الذي تكرّم آمِروكم و مشغّلوهم الإقليميّون باستجلابه علينا جميعاً ولم يكونوا فيه أبداً من المنتصرين!
وبالمناسبة، فإن تعبير "التنظيف" نفسه يُستَعمَل أيضاً في السياق المدني للدلالة على إتمام آخر التفاصيل الدقيقة لمشروعٍ ما. العِلمُ بالغوغل نورٌ يا اخوان!
فيا معالي الوزير، لو سلّمنا جدلاً أن فخامة الرئيس قد خانه التعبير كما تفضّلت بالتفسير، فلقد كان من الأجدى والأجرأ بمكان أن تكمّل وتقول "والبعض من أهلي خانه الفهم!".
صاحب رأي سيادي مستقل