لطالما قُدِّمت العلاقة بين حركة أمل وحزب الله بوصفها نموذجاً لـ«وحدة الساحة الشيعية» في لبنان، وحدة صمدت أمام الحروب الإسرائيلية، والانقسامات الداخلية، والتحولات الإقليمية العاصفة. غير أنّ هذه الوحدة، وإن بقيت قائمة شكلياً، تمرّ اليوم بمرحلة دقيقة فقد بدأت بالتحول من التوتر المكتوم، إلى تباين الأولويات، و الخلاف العلني عبر تبادل البيانات.
فما الذي تغيّر؟ وهل نحن أمام تصدّع حقيقي داخل الثنائية الشيعية، أم مجرد إعادة تموضع فرضتها ظروف الانهيار وتبدّل موازين القوى؟
تحالف قام على تقاسم الأدوار لا على التطابق
منذ نهاية الحرب الأهلية، بُنيت العلاقة بين الطرفين على معادلة واضحة:
• حركة أمل تولّت الإمساك بمفاصل الدولة: رئاسة مجلس النواب، الوزارات، الإدارة العامة، وشبكة العلاقات الداخلية.
• حزب الله احتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وتموضع كقوة عسكرية – سياسية مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران.
هذا التقاسم وفّر استقراراً نسبياً داخل البيئة الشيعية، ومنع عودة الصدامات الدموية، لكنه أخفى في جوهره تناقضاً بنيوياً بين منطق الدولة، ولو المفرغة، ومنطق الدويلة المسلحة.
اختلاف الأولويات في زمن الانهيار
مع الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق، برز هذا التناقض إلى العلن.
حركة أمل باتت أكثر ميلاً إلى التهدئة الداخلية، والحفاظ على ما تبقّى من مؤسسات الدولة، وتجنّب أي تصعيد قد يجرّ على لبنان مزيداً من العقوبات أو الفوضى. فقاعدتها الاجتماعية تضم شريحة واسعة من الموظفين والمتقاعدين والطبقة الوسطى التي دفعت الثمن الأكبر للانهيار.
في المقابل، لا يزال حزب الله ينظر إلى المشهد من زاوية إقليمية أوسع، حيث تتقدّم أولويات الصراع مع إسرائيل، وحسابات المحور الإيراني، على أي اعتبار داخلي لبناني. وبالتالي، لا يرى في الانهيار سبباً كافياً لتعديل استراتيجيته، بل يعتبره ثمناً جانبياً في معركة أكبر.
الاستحقاقات الدستورية: خلاف الأسلوب لا الهدف
ظهر التباين بوضوح في إدارة الاستحقاقات الدستورية، ولا سيما العلاقة مع رئاسة الجمهورية.
لا يزال نبيه بري يلعب دور الوسيط، محاولاً فتح ثغرات في جدار الأزمة عبر التسويات، انطلاقاً من إدراكه أن الفراغ الطويل يهدد ما تبقّى من الدولة. في المقابل، يربط حزب الله أي تسوية بضمانات سياسية واستراتيجية، ما أدى إلى تعطيل طويل الأمد.
ورغم الشراكة الشكلية في هذا التعطيل، تدرك أمل أن كلفته تقع مباشرة على الدولة ومؤسساتها، أي على المجال الذي تمثله تاريخياً، ما يفسّر حالة البرود والامتعاض غير المعلنة داخل الثنائية.
الشارع الشيعي: تململ صامت
على مستوى القاعدة الشعبية، تتراكم مؤشرات تململ داخل الشارع الشيعي، وإن بقيت حتى الآن ضمن الهامش الصامت.
ففي حين لا يزال حزب الله قادراً، ولو بحدود أضيق، على توفير شبكات دعم اجتماعي وتنظيمي لمناصريه، تعاني قواعد أمل من الانهيار بلا مظلات حماية كافية، ما يزيد من حساسيتها تجاه أي مغامرة عسكرية أو سياسية جديدة.
السلاح والدولة: الخلاف المؤجَّل
لا تطرح حركة أمل علناً مسألة نزع سلاح حزب الله، لكنها تبدي انزعاجاً متزايداً من توريط الدولة اللبنانية في مواجهات لا قرار لها فيها، ومن تحوّل السلاح إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي.
في المقابل، يرفض حزب الله أي نقاش جدي حول حصرية السلاح، معتبراً أنه جوهر دوره وضمانة وجوده.
وهنا يتبيّن أن الخلاف ليس تقنياً أو مرحلياً، بل مرتبط مباشرة بمفهوم الدولة وحدود سلطتها.
من إدارة الخلاف إلى سؤال المسؤولية
رغم كل ما سبق، لا يبدو أن الطرفين يتجهان نحو صدام مفتوح. فهما يدركان أن أي انفجار داخلي سيضعفهما معاً، ويفتح الباب أمام بدائل شيعية معارضة، أو تدخلات خارجية لا يمكن ضبطها. لذلك، يستمرّان في محاولة إدارة الخلاف تحت سقف التحالف.
غير أن هذا الواقع لا يلغي حقيقة باتت أكثر وضوحاً مع مرور الوقت:
حركة أمل وحزب الله، رغم تباين أدوارهما، شريكان أساسيان في ما وصل إليه لبنان من دمار وانهيار.
فالأولى، عبر عقود من السيطرة على الدولة، ساهمت في تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى هيكل محاصصة وفساد وعجز مزمن.
أما الثاني، فحوّل السلاح من أداة مقاومة إلى أداة تعطيل داخلي، صادر القرار السيادي، وربط لبنان بصراعات إقليمية فاقت قدرته على الاحتمال، وأسقطته في عزلة سياسية واقتصادية خانقة.
هل آن أوان التغيير؟
من هنا، فإن التوتر القائم بين حركة أمل وحزب الله لا يمكن اعتباره مدخلاً للإنقاذ، بل هو خلاف بين شريكين في المسؤولية أكثر مما هو صراع بين مشروعين متناقضين جذرياً.
لقد حان الوقت لطرح السؤال الجوهري بلا مواربة:
هل يُراد للبنان أن يبقى ساحة مفتوحة، أم أن يعود دولة؟
إن أي أفق حقيقي للخروج من الانهيار لا يمرّ عبر إعادة تدوير تحالفات استنفدت دورها، بل عبر تغيير سياسي فعلي يعيد الاعتبار للدولة، لدستورها، ولمؤسساتها الشرعية، وعلى رأسها حصرية السلاح بيدها، والمحاسبة على ما جرى طوال عقود.
فلبنان لا يحتاج إلى إدارة جديدة للأزمة، بل إلى قطيعة واضحة مع منطق الدويلة، ومع منطق الدولة المُفرغة معاً.
وحدها العودة إلى الدولة، دولة واحدة وسلطة واحدة، قادرة على وقف الانهيار وفتح باب الخلاص.