أتابع دراسة محضر اجتماع كمال جنبلاط الأخير مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي نشره الدكتور هادي وهّاب تحت عنوان "اللقاء القاتل" (دار نوفل. 246 صفحة. 2025). أسأل في هذا الجزء: كيف كانت نظرة كمال جنبلاط للزعامات السياسيّة في زمانه؟ الجواب كما يبدو من المحضر أنه كان يحتقر خصوصًا الزعامات السنيّة، بشقَيها السياسي والديني، واستطرادًا، سائر الزعامات اللبنانيّة. والاستثناء شبه الوحيد هو نبيه برّي.
عن زعامات السنة، انصبّ احتقار كمال جنبلاط بشكل خاصّ على رشيد كرامي الذي فكّر بـ "مصلحته وأنانيّته الصغيرة الانتخابيّة أكثر ممّا فكّر بالشأن العام للبنان" (صفحة 87). ولام جنبلاط الأسد لأنه فرض عليه دعم رشيد كرامي لرئاسة الحكومة: "منتم علينا برشيد كرامي رغم أنكم تعرفون أنه ما بينفع عالخالص" (صفحة 214). هذا وقرّع جنبلاط رشيد كرامي، وغريمه السني صائب سلام، لأنهما لم يهتما بمهجّري المسلمين في الحرب: "صائب سلام ورشيد كرامي بيسكّروا الباب بوجههم. أنا شحدت حتّى أقدر عيّشهم" (صفحة 199). وعمومًا: "صائب سلام ورشيد كرامي وفلان وفلان من هالختياريّة" لم يعودوا يصلحون لإدارة البلاد (صفحة 106).
ولا يبدو من المحضر أن نظرة جنبلاط لقيادات السنّة الدينيّة كانت أفضل من نظرته لسياسيّيهم. في واحدة من محطّات الحوار الطويل، قال جنبلاط للأسد إنه يريد العلمنة في لبنان، فردّ الأسد بالتعبير عن قلقه من موقف المسلمين الذين ضمن جنبلاط تأييدهم للعلمنة. "بيوافقوا؟" سأل الأسد ضيفه. ردّ جنبلاط: "عشو بيمونوا؟ منحكي مع المفتي شويّة ومع المقاصد الإسلاميّة لأنه من حاجتنا للرجال سمّينا الديك مقاتل (ضحك مشترك)" (صفحة 138).
باستثناء نبيه برّي (الشاب آنذاك) يبدو من المحضر أن كمال جنبلاط لم يكن راضيًا على أحد تقريبًا في لبنان. عن الأمير مجيد إرسلان يقول إنه مجرّد "مسكين" (صفحة 100)؛ عن الرئيس سليمان فرنجيّة يقول إن الناس تنظر إليه كـ "مجرم...وصار في عهده 10 آلاف قتيل" (صفحة 95)؛ ياسر عرفات "يده بخيلة" بتوزيع السلاح (صفحة 103)؛ عزيز الأحدب هو "أجدب" (صفحة 126)؛ سعيد عقل يكتب شعرًا "غير مفهوم" ويظن أنه يصلح لرئاسة الجمهوريّة لأن "يشطح عقله أحيانًا وينسى حاله" (صفحة 22). حتى قيادة الحركة الوطنيّة لا تسلم من احتقار كمال جنبلاط لأن فيها كتبة تقارير:"اللي صايبني أنا إنو يمكن عندي في مجلس القيادة شي واحد من المخابرات وكلّ شي منحكيه بشكل انتقاد موضوعي بيخبّرهم عنه". (صفحة 97). غالب الظن هنا أنه كان يقصد عاصم قانصوه الذي كان يكتب تقارير عن اجتماعات الحركة الوطنيّة للمخابرات السوريّة في إطار نضاله، كبعثي، للوحدة العربيّة الشاملة.
من نافل القول إن نظرة كمال جنبلاط لكميل شمعون وبيار الجميّل كانت سلبيّة أيضًا، كما نظرته لزعماء السنّة، وغريمه الدرزي مجيد أرسلان. من الجيّد إذًا؟ هناك إشادة جنبلاطيّة نادرة بنبيه برّي: "بالنسبة للشيعة حطّينا منهم ناس كويسين منهم نبيه برّي، ما بعرف إذا سيادتك بتعرفو....رجل مليح". (صفحة 88). المفارقة طبعًا بإشادة كمال جنبلاط بنبيه برّي هي أن الأخير لعب طوال حياته دور الأداة اللبنانيّة الأولى لحافظ الأسد، الذي قتل جنبلاط. هذا بالإضافة الى كون برّي عرّاب المنظومة التي أفقرت اللبنانيّين ونهبتهم منذ العام 1992 إلى الساعة، علمًا أن كمال جنبلاط قدّم نفسه كنصير فقراء لبنان ضدّ ناهبيهم من السياسيّين الفاسدين.
يتبع: الخاتمة