في ظلّ الانهيار الشامل الذي يعيشه لبنان، تفرض الأسئلة نفسها بإلحاح غير مسبوق: هل يُشكّل سلاح "حزب الله" اليوم ضرورة وطنية لبنانية، أم بات مجرّد شرط بقاء لمشروع سياسي–أمني إيراني نشأ في ثمانينات القرن الماضي ويدخل اليوم مرحلة أفول؟ وهل يمتلك الحزب أي قيمة ثقافية أو فكرية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية خارج هيبة السلاح؟
وإذا كان الحزب قد وافق على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، فهل بقي لهذا السلاح أي دور عسكري فعلي في مواجهة العدو، بعدما أصبح بعيدًا عن ساحة الاحتكاك المباشر؟ وما هو، تبعًا لذلك، الهدف الحقيقي من التمسّك به شمال الليطاني؟
في الواقع، لم يكن سلاح "حزب الله" يومًا مجرّد أداة ردع في مواجهة إسرائيل كما تروّج أدبياته، بل شكّل، على مدى أكثر من أربعة عقود، الركيزة الأساسية للنفوذ الإيراني داخل النظام اللبناني الهش. وبعد خروج جيش الاحتلال السوري، فرض الحزب، بقوة هذا السلاح، توازنات سياسية جديدة، وعطّل استحقاقات دستورية كبرى، من انتخاب رؤساء الجمهورية إلى تشكيل الحكومات، ومن توجيه السياسة الخارجية إلى التحكّم بقراري الحرب والسلم. لذلك، لا يعني التخلّي عن السلاح خسارة قدرة عسكرية فحسب، بل انهيار موقع الهيمنة الذي أتاح للحزب التحكّم بإيقاع الدولة ومؤسساتها.
يرتبط هذا السلاح عضوياً بمشروع الحرس الثوري الإيراني في المنطقة، إذ لا يشكّل قراراً سيادياً لبنانياً مستقلاً، بل وظيفة ضمن شبكة نفوذ إقليمية تُستخدم في الضغط والمقايضة والتفاوض في صراعات تتجاوز حدود لبنان. ويُضاف إلى ذلك أنّ لبنان، كما ورد في خطابات السيد حسن نصر الله في ثمانينات القرن الماضي، لا يُنظر إليه، وفق أدبيات "حزب الله"، كدولة مستقلة، بل كجزء من «الدولة الإسلامية الكبرى» التي يرعاها «صاحب الزمان». ومن هنا، تحوّل السلاح من أداة مقاومة إلى دور إقليمي مفتوح، امتدّ إلى سوريا واليمن وساحات أخرى بعيدة عن أي مصلحة لبنانية مباشرة، فيما اختُزل لبنان إلى ساحة تجميع وقاعدة انطلاق.
لذلك، يُنظر إلى أي نقاش حول نزع السلاح أو ضبطه، لا كخطوة في اتجاه بناء الدولة، بل كتهديد مباشر لوظيفة استراتيجية إقليمية فقدت أساسها الوطني.
دخل "حزب الله" الحياة السياسية بعد إقرار اتفاق الطائف، عقب مراجعة وموافقة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، كما يشرح الشيخ نعيم قاسم في كتابه «"حزب الله": المنهج، التجربة، المستقبل». غير أنّ الحزب لم يمارس السياسة كفنّ لإدارة التعدّد وبناء التفاهمات الوطنية، بل تعامل معها بوصفها امتدادًا للسلاح بوسائل مدنية، ومظلّة تحميه. لم يقدّم مشروع دولة، ولا رؤية إصلاحية، ولا برنامجًا اقتصاديًا قابلًا للحياة، وانحصر حضوره السياسي في الدفاع عن السلاح، وتعطيل كل ما قد يهدّده، وربط مصير لبنان بموازين صراعات خارجية.
هنا تتكشّف مفارقة المرحلة الراهنة:
إذا كان السلاح «سلاح مقاومة»، فلماذا هذا الإصرار على إبقائه شمال الليطاني، بعيدًا عن خطّ الاحتكاك مع العدو؟
وإذا كانت المقاومة تُعرَّف تاريخيًا بحماية أبناء الوطن، فكيف نفهم طمأنة الشيخ نعيم قاسم لسكان شمال الكيان، مقابل خطاب تهديد ووعيد موجَّه إلى اللبنانيين أنفسهم؟
عن أي مقاومة نتحدّث، حين يتحوّل السلاح من وسيلة ردع إلى أداة ضغط داخلي، ومن عامل حماية إلى مصدر قلق دائم على السلم الأهلي؟
السؤال لم يعد نظريًا، بل وجوديًا وعمليًا: ماذا يفيد هذا السلاح اليوم، بعدما سقط عنه قناع المقاومة، وبات خارج معادلة الاشتباك، وعاجزًا حتى عن حماية حامليه من الغارات الإسرائيلية؟
ما هو المطلوب فعليًا من هذا السلاح في هذه المرحلة؟
هل إبقاء ميزان القوى الداخلي مختلًّا؟
أم منع قيام دولة قادرة؟
أم إبقاء لبنان رهينة بانتظار تسويات إقليمية تتيح لطهران مقايضة الورقة اللبنانية مقابل مصالح تخصّ نظامها؟
خارج المعادلة العسكرية، يصعب العثور على قيمة فكرية أو ثقافية أو سياسية حديثة يقدّمها الحزب للبنانيين. فمؤسساته التعليمية والصحية والكشفية تُستخدم، في جوهرها، في خدمة التعبئة العقائدية وتأمين بيئة حاضنة للسلاح، لا في بناء مواطنين أحرار قادرين على صناعة وطن.
وإذا قيّمنا التجربة بميزان النتائج لا الشعارات، تبدو الحصيلة قاسية: عزلة عربية ودولية متزايدة، تراجع الثقة بلبنان كدولة ومركز اقتصادي، إدراجه على اللوائح الرمادية والسوداء، انهيار النظام المالي، شلل المؤسسات، وهروب الاستثمارات. لم يتحوّل فائض القوة إلى فائض تنمية، ولا إلى عدالة اجتماعية، ولا إلى دولة قوية.
صحيح أنّ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 شكّل إنجازًا وطنيًا حقيقيًا، لكن هذا الإنجاز الوحيد لم يُستثمر وطنيًا، بل جرى استهلاكه في خدمة مشروع خارجي، وصولًا إلى مغامرات عسكرية أعادت لبنان إلى دائرة النار من دون أي اعتبار لكلفة القرار على الدولة والشعب.
لم تعد المشكلة اليوم محصورة في وجود سلاح خارج الدولة، بل في الفراغ الوطني الذي يعيشه "حزب الله" خارج هذا السلاح. ففي شمال الليطاني، يظهر السلاح على حقيقته: اسم بلا مسمّى، بلا حجة، وبلا ضرورة، عبءٌ سياسي ووطني يثقل كاهل وطن ينهار تدريجيًا.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري:
ما قيمة السلاح شمال الليطاني؟
وما قيمة "حزب الله" من دون سلاح؟
لبنان اليوم بحاجة إلى مشروع يعيد بناء الدولة، لا إلى سلاح يحمي مشروعًا خارجيًا يحتضر. بحاجة إلى مستقبل يُدار بمنطق المؤسسات والسيادة والعدالة والازدهار، لا بمنطق التهديد والوعيد وابتزاز الداخل.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل يستطيع "حزب الله" أن يكون حزبًا لبنانيًا بلا سلاح؟
أم أنّ السلاح لم يعد وسيلة، بل بات هويةً كاملة لمشروع فقد معناه؟