بعد انطلاقة طال انتظارها في صالات السّينما اللّبنانيّة، يأتي فيلم "Hamnet" بوصفه عملًا سينمائيًا يتجاوز حدود السّيرة التاريخيّة، ليقترح تأمّلًا إنسانيًا عميقًا في العلاقة بين الفقدان والإبداع. الفيلم، المُقتبس عن رواية "Maggie O'Farrell" الحائزة شهرة نقديّة واسعة، لا يسعى إلى إعادة سرد حياة وليم شكسبير بوصفه أيقونة أدبيّة، بل يقترب من لحظة شديدة الخصوصيّة في حياته. موت ابنه "هامنت"، الحدث الذي سيُصبح، وفق القراءة الجماليّة للفيلم، البذرة العاطفيّة التي أنجبت واحدة من أعظم المآسي المسرحيّة في التاريخ.
منذ مشاهده الأولى، يُرسّخ "Hamnet" نبرة بطيئة ومتأمّلة، ترفض الإيقاع السّريع أو الحبكة التقليديّة. السّرد هنا قائم على التفاصيل الصّغيرة: نظرات، لمس، أصوات الطّبيعة وحياة ريفيّة تتشكّل في القرن السّادس عشر بوصفها عالمًا مُغلقًا، لكنه غنيّ بالعاطفة. العلاقة بين "أنييس" الزوجة ذات الحسّ الحدسي والارتباط العميق بالطّبيعة، و "وليم" الشاعر الطّموح الذي يتنقل بين البيت والمدينة، تُقدَّم بوصفها علاقة شراكة لا علاقة تبعيّة، وهو خيار سرديّ يمنح الفيلم بُعدًا مُعاصرًا من دون الوقوع في إسقاطات فَجّة.
مات الابن وُلدت المأساة
التحوّل الدراميّ الأساسيّ في الفيلم، وفاة الطفل "هامنت"، لا يُقدَّم كمشهدٍ صادمٍ مُباشر، بل كتسلّلٍ بطيءٍ للحُزن إلى نسيج الحياة اليوميّة. هذا الخيار الإخراجي يُراهن على الأثر التراكميّ بدل الصّدمة اللحظيّة، ويجعل من الفقدان حالة ممتدّة لا حدثًا عابرًا. هنا يتخلّى الفيلم عن أيّ محاولة للتخفيف أو المواساة السّريعة، ويغوص في المساحة الرماديّة للحزن، الصّمت، الانفصال، الغضب المكبوت والشعور بالعجز. وتعتمد المُخرجة الصينيّة الأصل Chloé Zhao في الفيلم لغةً بصريّةً شاعريّةً واضحة، حيث تتحوّل الطّبيعة إلى مرآة للحالة الداخليّة للشخصيّات. الحقول والأشجار وتغيُّر الضوء وحركة الرّياح ليست عناصر جماليّة فقط، بل أدوات سرديّة تُعبّر عمّا تعجز الشخصيّات عن قوله. غير أن هذا الخيار، على قوّته البصريّة، قد يُثير لدينا إحساسًا بالاستطراد الرّمزي، خصوصًا حين تتراكم الصّور الشعريّة دون تطوّرٍ دراميّ موازٍ، ما يجعل بعض المَشاهد أقرب إلى التأمُّل البصريّ منها إلى التقدّم السّرديّ.
ويُشكّل حضور الإيرلنديّة Jessie Buckley في دور "أنييس"، العمود الفقري للفيلم. ليست شخصيّة تشرح حزنها، بل تعيشه، وهذا ما يمنح الدَّور ثقله الإنساني. كما أن باكلي لا تؤدّي الحزن، بل تجعله كائنًا حيًا يمشي على ملامحها بصمتٍ موجع. وفي ذلك تجعل من شخصيّة "أنييس" القلب النابض للفيلم. في المُقابل، يُقدّم الإيرلندي Paul Mescal شخصيّة وليم شكسبير بوجهَين مُتناقضين. الأب العاجز أمام الفقدان، والفنان الذي يهرب إلى العمل بوصفه وسيلة للفهم أو النجاة. هذا التناقض هو أحد أكثر عناصر الشخصيّة ثراءً، وإن كان الأداء في بعض اللحظات يميل إلى النبرة الواحدة، ما يحدّ من تعقيد الشخصيّة عاطفيًا. أمّا في دَور "هامنت" نفسه، فيمنح الطّفل Jacobi Jupe الدَّور حضورًا مُبهرًا لا يُنسى، وكأنَّه يعلم أنَّ مهمّته ليست البقاء، بل أن يُتذكَّر.
الحزن الذي صنع شكسبير
يتعامل "Hamnet" مع الفن لا بوصفه خلاصًا مُباشرًا، بل بوصفه نتيجةً مؤلمةً لخبرة إنسانيّة قاسية. لا يقول الفيلم إن الحزن أساسي أو ضروري، بل يقترح أن الفن قد يكون إحدى الطّرق القليلة لإعادة ترتيب الفوضى الداخليّة التي يُخلّفها الفقدان. في هذا السّياق، يُصبح الرّبط بين اسم "هامنت" ومسرحيّة "هاملت" رمزًا لتحوّل الغياب إلى حضورٍ آخر لغويّ وفنيّ يتجاوز الجسد. بقدر ما هو فيلم عن الفقدان، لكنّه أيضًا عمّا يبقى بعده.
فيلم "Hamnet" تجربة سينمائيّة استثنائيّة، تحترم فكر المُشاهد وتدعوه إلى التأمّل في سؤالٍ قديمٍ ومُتجدّد: كيف تولد الرّوائع الأدبيّة من الألم أحيانًا؟