في السياسة، لا ينتصر من يطلق الرصاص أكثر ويتباهى بنفسه، بل من يمنع الآخرين من إطلاقه لحمايتهم وحماية نفسه.
في سوريا الجديدة، لم يعد النجاح السياسي يُقاس بعدد المدن التي تُرفع فوقها الرايات، بل بعدد الملفات التي تُدار قبل أن تنفجر.
في هذا الفارق الدقيق بين السيطرة والحكم، يبرز ما يمكن وصفه بـ "الذكاء السياسي" لدى الرئيس أحمد الشرع، الذي اختار منذ البداية طريقا مغايرا لمن سبقوه وهو: تحييد الخصوم عبر تجفيف مصادر دعمهم، لا عبر فتح جبهات مفتوحة معهم.
الشرع لم يبنِ سلطته على منطق الغلبة العسكرية وحده، بل على قاعدة أكثر تعقيدا: قطع شرايين الدعم الخارجي عن الخصوم الداخليين، ومواجهة هجوم الخارج المتحالف مع خيانة الداخل عبر إدارة متوازنة، ومخارج دبلوماسية مدروسة، دفعت القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة حساباتها قبل أي تدخل، وهو نهج لا يبدو بعيدا عن المدرسة البراغماتية الإستخباراتية التي اشتهر بها رجب طيب أردوغان التي ترتكز على النتائج العملية والملموسة والحلول الواقعية.
بداية تفكيك الرواية الإسرائيلية في الجنوب، لطالما لوّحت إسرائيل بورقة «حماية الدروز» كمدخل جاهز للتدخل في الجنوب السوري. ومع تصاعد التوتر في محيط السويداء، وصلت الرسائل الإسرائيلية إلى مستوى غير مسبوق، عبر ضربات عسكرية وتصريحات علنية تضع الحماية الإنسانية غطاءً لتحرك طويل الأمد، لكن الشرع لم يمنح تل أبيب تلك اللحظة، وأدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة بحد ذاتها، بل في شرعنة تدخل مستدام.
لذلك بادر بخطاب سياسي مباشر، بدل الخطاب التعبوي، اختار خطاب الدولة. بدل التصعيد، قدّم طمأنة مباشرة إلى الدروز، أكد فيها أنهم جزء أصيل من الدولة السورية، ورفض دفعهم نحو أي مظلة خارجية وان الدولة هي المسؤولة الوحيدة عنهم. هكذا، كُسرت الرواية قبل أن تتحول إلى عدوان مفتوح. بهذه الخطوة، سحب الذريعة الأخطر من يد تل أبيب ولم تُهزم عسكريا، لكنها خسرت أخطر أسلحتها وهي: الشرعية السياسية للتدخل في سوريا.
الأكثر دلالة أنه لم يحوّل الجنوب إلى ساحة استعراض قومي، بل ثبّت فكرة مسؤولية دمشق عن السويداء ضمن تنسيق غير مباشر مع الولايات المتحدة، في رسالة ضمنية مفادها أن الحضور الأمريكي يضع سقفا لأي توسع إسرائيلي واسع.
الشرع لم يهزم إسرائيل عسكريا، لكنه كسر روايتها السياسية.
أما الهدف الثاني ويبقى ملف قوات سوريا الديمقراطية الأكثر حساسية، لا بسبب عدد مقاتليها الذي قارب ال 90 الفا، بل لأنها شكّلت لسنوات مشروع نفوذ أمريكي طويل الأمد في شمال شرق سوريا. غير أن الرئيس الشرع ضرب هذا المشروع في نقطة ضعفه الأساسية وهي: الوظيفة
لم يذهب إلى مواجهة مباشرة، بل فعل ما هو أخطر، فقد نجح في إقناع واشنطن بأنه قادر على محاربة تنظيم داعش بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، ما مهّد لتحول تدريجي في الموقف الأمريكي تُرجم بتصريحات واضحة عن انتهاء الشراكة مع قسد.
ثم جاءت الضربة الأوضح مع فقدان هذه القوات السيطرة على سجون ومخيمات عناصر داعش، ما أفقد استمرار دعمها أي جدوى سياسية.
وعندما تسقط الوظيفة، يسقط معها الدعم. وهكذا، تخلّت واشنطن تدريجيًا عن قسد، لا لأن الشرع هزمها في الميدان فقط، بل لأنه أسقط مبرر بقائها دوليًا
والصحافة الدولية رصدت لحظة التحول: الأكراد انتقلوا إلى موقع دفاعي بعد تراجع الغطاء الأمريكي. وفي المقابل، تعمّد الشرع التأكيد أنه لا يتعامل مع قسد بمنطق الإبادة، بل بمنطق الدمج والمواطنة، ومع انتقال ملف السجون إلى ترتيبات جديدة برعاية أمريكية سورية عراقية، بات بقاء قسد ككيان مستقل بلا سند خارجي، ببساطة، لم ينتصر الشرع على قسد عسكريا فقط، بل أسقط مبرر وجودها الدولي.
أما الهدف الثالث وهو إيران وفي مقاربة مختلفة، مع إيران، كانت المعركة أخطر وأكثر حساسية. فطهران تجيد الاستثمار في الخوف، وتحويل الطوائف إلى خطوط دفاع متقدمة.
لكن الشرع قطع الطريق من الأساس ونجح في قطيعة محسوبة مع إيران وحزب الله، عبر ترسيخ رواية سياسية تحمل طهران مسؤولية الجرح العميق الذي أصاب سوريا خلال سنوات دعمها لنظام الأسد. بذلك، أغلق الباب أمام أي محاولة إيرانية لاستثمار المخاوف داخل البيئة العلوية، أو إعادة إنتاج خطاب حماية العلويين على خلفية أحداث الساحل.
بالتوازي، فُرضت قيود سياسية وأمنية واضحة تؤكد أن النفوذ الإيراني لم يعد مرحبا به. لا سلاح هنا ولا صدام مباشر فقط إغلاق للذريعة، وتجفيف للخطاب، ومنع للخوف من التحول إلى ولاء سياسي.
وهكذا، تراجع النفوذ الإيراني من دون معركة، لأن الأرضية التي يقف عليها سُحبت من تحته وتم تحميله مسؤولية إطالة الحرب وما رافقها من دماء ودمار.
أما الهدف الرابع وهو روسيا، فهي لا تحتاج حليفا مباشرا في الحكم بقدر ما تحتاج لشبكات مصالح ومخابرات تعمل من داخل الدولة العميقة. فبعد سقوط الأسد، حاولت موسكو الحفاظ على نفوذها عبر هذه القنوات، وهو ما ظهر في التفاهمات التي رافقت زيارة الشرع إليها.
غير أن الشرع أعاد هندسة مراكز القرار، وغيّر قواعد الإدارة بطريقة جعلت رجال الأمس عاجزين عن إعادة إنتاج أنفسهم. قدّم نفسه لروسيا كرجل المرحلة القادرعلى حفظ مصالحها، لكن بشروط واضحة:
وقف دعم الحلفاء السابقين
مصالح محفوظة
عدم العبث بمسار الدولة الجديدة
فزيارة واحدة كانت كافية لتأكيد الرسالة: من يريد البقاء في سوريا الجديدة، عليه أن يعترف بأنها جديدة فعلًا.
ما فعله الشرع ليس استعراض قوة، بل تفكيك ممنهج لمصادر الخطر، فقد نجح لأنه أدرك أن سوريا لا تُحكم بالسلاح وحده، بل بمنع الآخرين من استخدام أقلياتها وفصائلها كأدوات.
فقد سحب ذريعة إسرائيل في الجنوب.
أقنع واشنطن بأن قسد لم تعد استثمارا مفيدا
أغلق الباب أمام الاستثمار الإيراني في الطائفية
أربك موسكو دون أية قطيعة
قد يصف البعض الرئيس الشرع بالثعلب الماهر، وربما تُكمن مهارته في أنه تعلَم أن الحكم في لحظات التحول الكبرى هو فن تقليص الأعداء قبل مواجهتهم.
فهل نحن أمام رجل مرحلة… أم أمام نسخة سورية طويلة الأمد من المدرسة البراغماتية التركية والبروباغندا الأميركية ؟
في النهاية سوريا بعد مرور عام على التحرير ليست كسوريا ما قبل التحرير ومن المؤكد أن سوريا الشرع لن تكون كسوريا التي كان يحكمها بشار بالعلن وماهر في الخفاء.