ميشال الدكاش

من التربية إلى السياسة: كيف تشكّلت ذهنية رفض الخسارة في مجتمعاتنا

6 دقائق للقراءة

من التربية إلى السياسة، من الملعب إلى صندوق الاقتراع، ومن السلوك الفردي إلى الخطاب الجماعي، تتكرّر إحدى ظواهر مجتمعاتنا: العجز عن الاعتراف بالخسارة، لا بوصفها نتيجة، بل بوصفها حقيقة قابلة للتسمية والتحليل والتعلّم. في الوعي الجماعي المشرقي، لا تُفهم الخسارة كمرحلة طبيعية في مسار النضج والتطوّر، بل كتهديد للهوية والكرامة والانتماء، لذلك يجري إنكارها، أو إعادة تأويلها، أو تحويلها إلى شكل من أشكال الانتصار الرّمزي، حتى عندما تشير الوقائع بوضوح إلى العكس وكأن الاعتراف بالخسارة أخطر من الخسارة نفسها.

هذا السلوك لا يولد في السياسة، بل يسبقها. إنه نتاج مسار طويل من التنشئة الاجتماعية والنفسية يبدأ في العائلة التي تحمي أبناءها من الفشل بدل تعليمهم تحمّل نتائجه، ويمرّ عبر المدرسة التي تكافئ العلامة لا الكفاءة، ويتكرّس في الجامعة، ثم في الفضاء العام حيث تُدار الخسارة بوصفها إهانة لا خبرة. في ثقافة يُربَّى فيها الفرد على أن المهم "ألا يظهر خاسراً"، لا أن يتعلّم كيف لا يخسر مجدداً. وفي هذا السياق، يتكوّن فرد لم يُدرَّب على أنّ الخسارة هي أداة تعلٌّم، بل على تجنّبها لغوياً ومعنوياً، فيكبر وهو يميل إلى رفض النتائج، وتبرير الإخفاق، وربط قِيَمِه الذاتية بالصورة التي يحافظ عليها لا بالأثر الذي يحققه.

من منظور علم النفس الاجتماعي، يُفهم هذا النمط كآلية دفاع جماعية. فوفق نظريات التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) وحماية الأنا (Ego Defense Mechanisms) عندما تتعارض الوقائع مع الصورة التي يحملها الفرد أو الجماعة عن الذات، لا يُصار تلقائياً إلى تصحيح السلوك والقرارات، بل إلى تعديل السردية.

الاعتراف بالخسارة يفرض مواجهة مباشرة مع مفاهيم المسؤولية وحدود القدرة وإعادة تقييم الذات، وهي عمليات نفسية تتطلّب قدراً من الأمان والاستقرار المعنوي داخل الجماعة. لذلك تميل الجماعات التي تُعرّف نفسها عبر الانتماء والهوية المجتمعية أكثر من الإنجاز الفردي إلى إعادة تأويل النتائج بدل استيعابها، ليس بدافع التضليل الواعي، بل كآلية تنظيم نفسي جماعي تهدف إلى الحفاظ على التماسك الداخلي الممنهج ومنع تصدّع الهوية عند الاصطدام بالواقع.

هذا المقال لا يهدف إلى إدانة مجتمع ولا تمجيد آخر، بل إلى تفكيك ذهنية تشكّلت عبر تفاعل طويل بين الذاكرة الجماعية، وأنماط التنشئة، وبُنى الانتماء التي تقدّم الولاء والصورة على المحاسبة والنتيجة. ذهنية تفسّر لماذا يصبح الالتزام بالقانون سلوكاً ظرفياً لا قناعة داخلية، ولماذا تُحترم القواعد ما دامت لا تهدّد السردية الجماعية عن الذات، ولماذا نربح في الخطاب بينما نخسر في النتيجة والواقع. إنّ فهم هذه الذهنية ليس ترفاً فكرياً، بل شرط أساسي لأي حديث جدّي عن قيادة سياسية فعّالة، أو إصلاح، أو تغيير سلوكي مستدام في لبنان والمنطقة.

في لبنان، تتجلّى هذه الآلية بوضوح في تفاصيل الحياة العامة. مباراة كرة سلّة تُخسَر بوضوح وبالأرقام، فتُقدَّم بوصفها فوزاً معنوياً. حرب تُوصَف بالانتصار فيما تُقاس أثمانها بأجيال ضائعة وبنية تحتية مدمّرة. انتخابات طلابية جامعية تُفقد فيها المقاعد الانتخابية، لكن الخطاب العام يصرّ على توصيف النتيجة كفوز بحجّة أن "الرسالة وصلت"، فيتمّ قطع قالب حلوى وتُدار الهزيمة احتفالياً بوصفها نصراً رمزيّاً.

المشكلة هنا لا تكمن في الخسارة بحد ذاتها، بل في غياب القدرة على تحويلها إلى عبرة. ففي مجتمعات تُبنى فيها الهوية على الصمود فقط لا على التعلّم والتطوُّر، وعلى الشرف لا على المحاسبة، تصبح مراجعة الذات تهديداً وجودياً، ويُستبدل التغيير بسرديات تعويضية تُريح النفس وتُجمّد الواقع.

من هنا، تصبح القيادة السياسية الحديثة عاملاً حاسماً. فالقائد في المجتمعات المأزومة نفسياً ليس من يرفع المعنويات عبر الخطاب، بل من يملك الشجاعة لتسمية الواقع. في علم القيادة السلوكية، الاعتراف بالخسارة ليس ضعفاً، بل شرط أساسي للتطوّر المجتمعي. القائد الذي ينكر الإخفاق يعيد إنتاجه، بينما القائد الذي يضع الخسارة في إطار واضح يحوّلها إلى عبرة ونقطة انطلاق لإصلاح المسار.

وعلى مستوى أعمق، يتحوّل إنكار الخسارة إلى خطر بنيوي يقود الجماعة خارج التاريخ. فالقائد الذي يرفض تسمية الهزيمة، وينخرط في آليات الدفاع عن الهوية، لا يحمي جماعته بل يعزلها عن الواقع. قد يمنحها شعوراً مؤقتاً بالأمان، لكنه يفصلها تدريجياً عن ميزان القوى والتحوّلات الاقتصادية والسياسية. التاريخ مليء بأمثلة لقيادات فضّلت إدارة الصورة على مواجهة الحقائق، فانتهت إلى جرّ مجتمعاتها نحو الانغلاق والتراجع. بهذا المعنى، الاعتراف بالخسارة ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل مهارة في القيادة السياسية ولحظة انتقال من حماية السردية إلى بناء القدرة على مواجهة الواقع والتقدُّم.

كما يفسّر هذا المنطق كيف تصبح بعض الجماعات مستعدّة لتحمّل خسائر قصوى ما دامت تمنحها شعوراً بالتماسك والمعنى. فوِفق أبحاث ألبرت باندورا حول فك الارتباط الأخلاقي، فإنّ الإيديولوجيات تعيد تشكيل إدراك الفرد لذاته ولمصيره، بحيث تُستبدل معايير الحياة الفردية بمنطق الانتماء الجماعي، ويُعاد تفسير الألم والخسارة كأثمان مبرَّرة، فيتحرّر السلوك من منطق الربح والخسارة، وتُعلّق المراجعة مع الذات وتحديد الخسائر.

التجربة المقارنة تؤكد ذلك. مجتمعات خرجت من صدمات عميقة نجحت حين سمحت لنفسها بتسمية الخسارة. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، رواندا بعد الإبادة، ودول في شرق أوروبا، كلها واجهت واقعها بدل تجميله، وبنت مؤسسات حوّلت الخسارة إلى عبرة تاريخية. في المقابل، المجتمعات التي علّقت كرامتها على السردية لا على النتيجة بقيت تدور في الحلقة نفسها فلفظها التاريخ.

في الخلاصة إن التاريخ لا يتعامل مع السرديات، بل مع النتائج. الاعتراف بالخسارة ليس فعلاً سلبياً، بل مهارة قيادية وشرط تأسيسي لأي مسار قيادي جدي. لا يمكن بناء دولة بعقلية تنكر النتائج، ولا يمكن تطوير مجتمع يرى في كل قرار فاشل مؤامرة. الانتقال من ذهنية النجاة إلى ذهنية الإنجاز يبدأ حين نفصل بين القيم الذاتية والنتيجة الواقعية، مثالاً على ذلك الفصل بين الكرامة والمحاسبة. عندها فقط تتحوّل الخسارة من تهديد إلى عبرة، ومن وصمة عار إلى بداية جديدة. أمّا الاستمرار في إنكارها، فليس سوى إضاعة متكرّرة للفرص.

 

المراجع:

• Festinger, Leon, A Theory of Cognitive Dissonance, 1957.

• Tavris, Carol & Aronson, Elliot, Mistakes Were Made (But Not by Me), 2007.

• Bandura, Albert, Self-efficacy: Toward a Unifying Theory, 1977.

• Tajfel, Henri & Turner, John C, Social Identity Theory, 1979.

• Heifetz, Ronald A, Leadership Without Easy Answers, 1994.

• Dweck, Carol S, Mindset: The New Psychology of Success, 2006.

• Fromm, Erich, Escape from Freedom, 1941.

• Tuchman, Barbara, The March of Folly, 1984.

• Arendt, Hannah, The Origins of Totalitarianism, 1951.

• Acemoglu, Daron & Robinson, James A, Why Nations Fail, 2012.


مدرّب وخبير في القيادة والاستراتيجيا