يشير عدد من المؤرخين الإسرائيليين إلى أن أول كيان يهودي كان مملكة داود، التي يُرجع تأسيسها إلى نحو عام 1000 ق.م، ولم تعش أكثر من ثمانين سنة تحت حكم داود وسليمان. ومع وفاة سليمان في مطلع العقد الثامن، بدأت بوادر التفكك، فانقسمت المملكة إلى مملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها نابلس، ومملكة يهودا في الجنوب وعاصمتها أوروشليم، قبل أن تسقط كلتاهما لاحقًا بيد الآشوريين ثم البابليين. أما الكيان اليهودي الثاني فكان مملكة الحشمونائيم، التي تأسست نحو عام 140 ق.م في ظل الحكم الإغريقي، نتيجة ثورة المكابيين، لكنها أيضًا واجهت الفوضى والصراعات الداخلية عند بلوغها العقد الثامن وانتهت بسقوطها.
الجديد اليوم هو أن الكيان الصهيوني، الذي أعلن استقلاله عام 1948، وصل إلى مشارف العقد الثامن من عمره، ما حول الهواجس الشعبية المكتومة إلى نقاش علني داخل النخب السياسية والأمنية والفكرية تحت مسمّى «لعنة العقد الثامن».
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق باللعنة بحد ذاتها، بل بكيفية تعامل القيادة الإسرائيلية معها. وهنا يبرز بنيامين نتنياهو، ليس كرئيس حكومة يدير أزمة عابرة، بل كسياسي يسعى إلى إعادة هندسة الوعي الجماعي الإسرائيلي، عبر خلق هدف جديد يتجاوز فكرة البقاء، ليطلق مشروع «إسرائيل العظمى»؛ دولة مهيمنة، قادرة على فرض نفوذها في الشرق الأوسط الجديد.
منذ تأسيسها، قامت إسرائيل على سردية وجودية بسيطة: «دولة مهدَّدة يجب أن تبقى». نجحت «عقيدة الخوف» في توحيد المجتمع الإسرائيلي لعقود، وسمحت بتبرير العسكرة المستمرة، والتعبئة الدائمة، والالتفاف حول المؤسسة العسكرية، وتغطية الفشل والفساد والانتهاكات.
لكن مع مرور الزمن ودخول إسرائيل عقدها الثامن، فقدت هذه السردية قدرتها التعبوية، لا سيما بين الأجيال الجديدة التي لم تعش لحظة التأسيس ولا حروب البقاء الأولى، وبدأت الانشغال بالصراعات الداخلية: بين الدين والدولة، المركز والأطراف، العلمانيين والمتدينين، وبين القضاء والسلطة التنفيذية. عند هذه النقطة، لم تعد «لعنة العقد الثامن» مجرد قراءة تاريخية، بل تحولت إلى مرآة تعكس تآكل المشروع الصهيوني من الداخل.
في هذا السياق، يبدو أن نتنياهو أدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اللعنة نفسها، بل في غياب هدف استراتيجي جامع. لذلك يسعى إلى استبدال سردية «البقاء» و«الخوف» بسردية أكثر طموحًا: سردية «القوة» و«العظمة» و«الهيمنة». قراءة سلوك نتنياهو، سواء في كتابه «مكان تحت الشمس» أو في تصرفاته بعد عملية السابع من تشرين الأول، تكشف محاولة لكسر العقد الثامن نفسيًا قبل الزمني، إذ يسعى إلى تحويل إسرائيل من دولة تخشى نهايتها إلى دولة واثقة من قوتها وقدرتها على إعادة تشكيل محيطها.
ويظهر ذلك في عدة ممارسات:
- الإصرار على إضعاف القضاء وتكريس سلطة تنفيذية شبه مطلقة، باعتبار أن الدول العظمى لا تُدار بمنطق التوازنات الدقيقة.
- توسيع مفهوم الأمن من «الدفاع عن الحدود» إلى إدارة الإقليم بأكمله والتدخل المباشر في أزمات وسياسات الدول المحيطة.
- العودة المكثفة إلى المفردات التوراتية–التاريخية في الخطاب السياسي، حتى لدى تيارات غير متديّنة، لإعادة شحن الوعي الجماعي بفكرة «الرسالة التاريخية» و«شعب الله المختار».
بهذا المعنى، لا يسعى نتنياهو فقط للنجاة من اللعنة، بل لتحطيم الإطار الذي وُلدت فيه الدولة: دولة صغيرة، محاصَرة، قلقة على وجودها.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة معركة «طوفان الأقصى» بوصفها لحظة اختبار كبرى لمشروع نتنياهو، حيث كان الرهان واضحًا: حرب واسعة تعيد ترتيب الأولويات، تُسكت الانقسامات الداخلية، وتعيد المجتمع إلى الاصطفاف خلف القيادة باسم مصير تاريخي مشترك ومهمة إلهية مقدسة.
المفارقة الأخطر هي أن مغامرة نتنياهو لكسر اللعنة عبر رفع سقف المشروع الصهيوني قد تُسرّع في تحققها، إذ التاريخ لا يرحم الدول التي تنتقل من الدفاع إلى الهجوم الشامل من دون أفق، وتستبدل الإجماع الاجتماعي بمغامرات طويلة المدى وغير محسوبة، وتراهن على القوة المفرطة لتعويض التآكل الداخلي. فالدول لا تسقط لأنها بلغت عامًا معيّنًا، بل لأنها تفقد القدرة على إدارة ذاتها بعقلانية وحكمة قبل أن تحاول إدارة غيرها.
في الخلاصة، لا تكمن «لعنة العقد الثامن» في بلوغ السنة الثمانين بحد ذاتها، بل في كيفية تعامل الدول مع أزماتها عند هذه المرحلة الحساسة من عمرها. وبمحاولة نتنياهو تحويل الخوف الوجودي إلى مشروع هيمنة إقليمية، لا يتجاوز هذه اللعنة فحسب، بل يغامر بتحويلها إلى نبوءة قد تتحقق ذاتها.
إما أن تنجح إسرائيل في إعادة بناء عقدها الاجتماعي على أساس التماسك الداخلي، واعتماد العقلانية في مقاربة أزماتها، ولا سيما عبر البحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية، وإما أن تحاول كسر مسار التاريخ بالقوة، غير أن التاريخ، في العادة، لا يُكسَر بسهولة.