مايا الخوري

مدّ وجزر بين الضغوط النفسية والشراهة

اضطرابات الأكل: فخ اللذة القاتلة

5 دقائق للقراءة
الأكل الانفعالي جواب عن شعور معيّن

صحيح أن تناول الطعام يمنح شعورًا بالمكافأة واللذة الذاتية وهو أسرع وأسهل طريقة لفشة الخلق عند التوتر والقلق والغضب، لكن تكرار هذا السلوك يؤدي حتمًا إلى اضطرابات وخلل في العلاقة الشخصية مع الطعام ما يستوجب المتابعة والعلاج لما له من تأثير مباشر على الصحة الجسدية والنفسية وتقدير الذات.

يأتي الأكل الانفعالي جوابًا على شعور معيّن، يلجأ إليه الأشخاص لأن تناول الطعام يمنحنا إحساسًا بالمكافأة واللذة، لذلك يرتكز عليه كثيرون لتخفيف حدّة التوتر وتغيير مشاعرهم عبر الإحساس باللذة بعد الأكل.

إذًا ثمة علاقة مترابطة ما بين التوتر النفسي والسلوك الغذائي، لأن التوتر يؤثر في الشهية والعكس صحيح. مثلًا، إذا سمع شخص ما خبرًا مزعجًا فَقَد الرغبة في تناول الطعام في تلك اللحظة، فيما يلجأ إليه في حال الشعور بالتوتر لتغيير مزاجه.

عندما تنشأ عادات سلبية متعلقة بالطعام، كالانقطاع عند التوتر والإفراط عند البحث عن اللذة، يكتشف الشخص ما اقترفت يداه عند تغيّر وزنه. فيتأثر نفسيًا ويغضب لأنه يأكل كفشة خلق. لكنه للأسف، يعود فيأكل مجددًّا بسبب غضبه هذا أو ينقطع عن الطعام لفترة معيّنة ليعود إلى الإفراط به مجددًا. من هنا يجب التمييز وفق رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى "اوتيل ديو دو فرانس" الدكتور رامي بو خليل، ما بين الجوع الطبيعي والجوع العاطفي، فالأول نتاج معدة فارغة بعد وجبات متقطّعة خلال النهار، بينما الثاني نتاج عواطف أو شعور بالملل وتكون المعدة في حينها ممتلئة.

أمّا أنواع المأكولات المستهلكة في حالات الاضطراب فتحوي كمية عالية من السكّر والمواد المحفزة "للسيروتونين" مثل الشوكولا وبعض أنواع الفاكهة والمأكولات المشبّعة بالدهون. ويشير د. بو خليل إلى أن الانقطاع عن الأكل لفترة طويلة يحفز الدماغ وينشطه للبحث عن حلّ، فيشعر الإنسان بنشاط ووحيٍ زائد في تلك الفترة ما يجعله يتغلّب على مشاعر القلق والحزن.

وفي الوقت نفسه، تحفز المبادرة إلى أكل الحلويات والأطعمة المشبّعة بالدهون الدماغ أيضًا لأنها تحوي مواد مثل "التريبتوفان" التي تتحوّل إلى "سيروتونين" في الدماغ، أو مواد ترفع "الدوبامين" تحسّن وظيفة الدماغ من خلال عملية الهضم فترفع الشعور بالرضى. وشبّه د.أبو خليل الغذاء بالنوم، "كما يتأثر هذا الأخير سلبًا وإيجابًا بالحال النفسية التي يمرّ فيها الشخص، رغم أنه يجب أن يكون منظمًا غير مرتبط بذلك، كذلك يجب أن يكون الغذاء، منظمًا خاضعًا لروتين معيّن لا يتأثر بالوضع النفسي أبدًا، محصورًا وموزعًا على 3 أو 4 وجبات خفيفة ومنوّعة في اليوم، مالحة وحلوة تحوي الخضار والنشويات والبروتينات".

وينصح د. بو خليل بعدم اعتبار أي فشة خلق عابرة بتناول الطعام مرضًا، بل حين يتكرّر السلوك ويصبح نظام العلاقة مع الأكل مرتبطًا بالمشاعر سواء لجهة الإفراط أو الإقلاع، عندها نتحدث عن اضطراب يحتاج إلى علاج. ويقول: "عندها يجب ألا يتردد المعني في مراجعة اختصاصي مطّلع ينقل إليه الحالة بوضوح كي يحدد له العلاج اللازم".

ويحدد الانعكاسات الجسدية والنفسية لهذا الاضطراب، مشيرًا إلى توسع الجهاز الهضمي ما يؤدي إلى ارتجاع في المريء. كما تضغط عملية الهضم المتواصلة على الكبد والبنكرياس، فضلًا عن تغيّر أنواع البكتيريا في الأمعاء وازدياد حركة الغازات وتغيير في عملية التبرّز. إلى ذلك، يتحوّل الجسم إلى مستودع للدهون ما يؤدي إلى تصلّب في الشرايين وأمراض في هذا الإطار. أمّا عند الانقطاع عن الأكل، فيريح الجسم أعضاءه للمحافظة على كمية الوحدات الحرارية، ويتأثر الدم والقلب اللذان يحتاجان إلى نشاطٍ دائم.

وبالنسبة إلى الصحة النفسية، يشير د. بو خليل إلى انعكاس هذا الاضطراب على الثقة بالنفس والشعور بعدم القدرة على اتخاذ القرار والفشل، خصوصًا بسبب نظرة الآخرين بلوم وعدم ثقة. كما تتأثر الثقة بالنفس والاعتماد على الذات بعد التراجع مرارًا عن قرار تحسين نوعية الطعام وتنظيم توقيته وكميّته. لافتًا إلى أن المراهقين هم الأكثر عرضة لهذا الأمر بسبب ملامة الأهل وانتقادات الغير على النحافة المفرطة أو الوزن الزائد، ما ينعكس سلبًا على نظرتهم الذاتية التي تصبح مقتصرة على رقم في الميزان وصورة في مرآة ورأي الآخرين.

ويرى أن العلاج الذاتي ممكن في حال كان السلوك عابرًا وبسيطًا وبالتالي يستطيع الشخص ضبطه ومساعدة نفسه من دون اللجوء إلى اختصاصي، إنما في الحالات المتوّسطة والشديدة، فيجب مراجعة اختصاصي مناسب. لافتًا إلى أن العلاج السلوكي المعرفي هو الأكثر اعتمادًا والأفضل في علاج الإفراط في الأكل ونوباته، حيث يضع المريض أهدافًا يسعى إلى بلوغها تدريجًا كلما شعر بأنه مُجبر على تناول الطعام، ما يخفف من هذه التصرفات عبر استبدالها بأخرى، ويساعده في التفكير عن الأسباب التي تدفعه إلى هذا السلوك الاضطرابي".


توعية المراهقين

يشير د. بو خليل إلى 3 مرجعيات مسؤولة عن توعية المراهقين:

- الأهل الذين يربطون الأكل بالصحة، فيلاحقون أولادهم لتناول الطعام إذ يصبح هذا التدخل سلبيًا حين يتحوّل إلى نوعٍ من القمع أو وسيلة للتربية.

- المدرسة، حيث يُفترض توعية الطلاب والانتباه إلى مشكلات الأكل وتغيّر الوزن، لكن لا يتحقق هذا الأمر أحيانًا بدقة بسبب عدد الطلاب. من جهة أخرى، يتحمّل الأطباء والمعالجون النفسيون المتوافرون في بعض المدارس مسؤولية توعية الطلاب حول أمراض فقدان الشهيّة والسمنة.

- تقتصر مواضيع وسائل التواصل الاجتماعي على الترويج لمواد التنحيف أو الإشارة إلى هذا السلوك المضطرب بشكل بسيط غير وافٍ أو دقيق وغير علميّ، فيما تغيب وسائل الإعلام المرئي والمكتوب عن الإضاءة على هذه المواضيع المهمّة للأسف والتي يجب التوعية في شأنها.


د. رامي بو خليل