جوزيف بوهيا

حزب الله مؤشّر للأزمة الإيرانية

4 دقائق للقراءة

لم يعد صمت حزب الله على الضربات الإسرائيلية مؤشر قوة، ولا تصعيده في الداخل دليل ثقة. العكس تمامًا: هذا التناقض هو الإشارة الأوضح إلى أن إيران دخلت مرحلة الأزمة، وأن أدواتها في المنطقة بدأت تتصرّف بعقلية الدفاع لا الهجوم. في السياسة الإقليمية، حين يعلو الصوت في الداخل، يكون المركز قد بدأ بالانكشاف.

من هنا، لم يعد سلوك حزب الله في لبنان يُقرأ فقط من زاوية الصراع مع إسرائيل، بل بات انعكاسًا مباشرًا لحالة إيران نفسها. ففي المراحل التي كانت فيها طهران في موقع الصعود الإقليمي، تصرّف الحزب كذراع هجومية متقدّمة: يهدّد، يردع، ويستخدم السلاح كأداة ضغط خارجية. أمّا اليوم، ومع انتقال إيران إلى مرحلة الضغط المركّب سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، تغيّرت وظيفة الحزب بشكل واضح. لم يعد السلاح أداة توسّع، بل تحوّل إلى عبء يجب حمايته، وورقة يجب الحفاظ عليها في مواجهة مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.

هذا التحوّل يفسّر التناقض الصارخ بين ارتفاع نبرة الخطاب السياسي والأمني لحزب الله، وبين انكفائه العملي عن أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل. فالضربات الإسرائيلية التي طالت في الأشهر الماضية قيادات ميدانية وبنى عسكرية نوعية للحزب مرّت من دون ردّ يتناسب مع حجمها، ليس لأن ميزان الردع ما زال قائمًا، بل لأن قرار المواجهة لم يعد متاحًا. في المقابل، شهد الداخل اللبناني تصعيدًا سياسيًا وأمنيًا غير مسبوق في ملفات حساسة، من تحدي رئاسة الجمهورية إلى الاستخفاف بقرارات الحكومة والقضاء، وكأن فائض القوة الذي مُنع من الترجمة خارجًا جرى تفريغه حيث الكلفة أقل والضبط أسهل.

إيران، التي تواجه اليوم أخطر لحظة منذ عقود، لا تستطيع تحمّل حرب إقليمية واسعة قد تخرج عن السيطرة وتحوّل الضغط القائم إلى تهديد وجودي مباشر للنظام. في مثل هذه اللحظات، لا تُستهلك الأدوات بل تُحفظ. ومن هنا، يصبح حزب الله في هذه المرحلة أصلًا استراتيجيًا يجب عدم التفريط به، لا ورقة تُحرق في مواجهة مفتوحة. استخدامه ضد إسرائيل الآن يعني خسارة مخزون عسكري وسياسي لا يمكن تعويضه، وقطع أي هامش مناورة لإيران في مرحلة قد تُفرض فيها تسويات قاسية أو تغييرات جذرية في قواعد الاشتباك الإقليمي.

لكن حين يُغلق باب الخارج، لا تختفي الحاجة إلى تفريغ التوتر. هنا ينتقل مركز الثقل إلى الداخل اللبناني. فالداخل، بكل ضعفه وانقسامه، يشكّل الساحة الأقل كلفة والأكثر قابلية للتحكم. رفع السقف السياسي، التهديد المباشر، افتعال الإشكالات، وتعطيل عمل الدولة ليست مظاهر قوة، بل أدوات دفاعية تستخدمها القوى المسلحة حين تشعر بأن هامشها الإقليمي يضيق. الهدف ليس السيطرة الكاملة على البلد، بل منع أي مسار داخلي قد يضع السلاح على طاولة البحث في لحظة إقليمية شديدة الخطورة.

يتّضح هذا السلوك أكثر كلما تعمّقت الأزمة داخل إيران. فكلما اقتربت طهران من لحظة تسوية قسرية أو ضربة تهدّد تماسك النظام، يزداد قلق حزب الله من أن يتحوّل السلاح في لبنان إلى أحد بنود المقايضة الكبرى. عندها، ينتقل السلاح من كونه أداة ردع خارجية إلى خط دفاع داخلي أخير، وتصبح الفوضى المحدودة وسيلة لتعطيل أي تغيير سياسي أو مؤسساتي قد يسبق أو يواكب التحوّلات الإقليمية.

في هذا السياق، يصبح الربط بين خطر إيران الداخلي وخطر حزب الله على الداخل اللبناني ربطًا سببيًا لا دعائيًا. الحزب لا يصعّد داخليًا لأنه أقوى، بل لأنه يشعر بأن الغطاء الذي وفّر له هامش الحركة لعقود لم يعد مضمونًا. وكلما ازداد الضغط على إيران، ازداد ميل الحزب إلى تشديد قبضته داخل لبنان، لا لفتح حرب أهلية شاملة، بل لإبقاء الدولة مشلولة ومنعها من اتخاذ قرارات سيادية في لحظة مفصلية.

هنا تحديدًا يطرح السؤال الأخطر: ماذا لو وصلت الأزمة الإيرانية إلى الحائط المسدود؟ في هذا السيناريو، لا يعود حزب الله ذراعًا إقليمية فاعلة، بل يتحوّل إلى عبء سياسي وأمني داخل دولة منهكة. يفقد دوره الخارجي من دون أن يجد بديلًا داخليًا شرعيًا، ويصبح سلاحه، بدل أن يكون عنصر تفاوض، عبئًا يُسرّع عزلته ويضعه في مواجهة مباشرة مع بيئته ومع الدولة في آن واحد. عندها، لا تعود المشكلة في ميزان القوى، بل في فقدان الوظيفة.

وفي هذا المعنى، لا يعود النقاش حول حصرية السلاح مسألة سياسية أو فئوية، بل مسألة توقيت تاريخي. فالسلاح الذي يُمنَع من الرد في الخارج، ويُستخدم لتخويف الداخل، هو سلاح أزمة لا مشروع. وكلما تأخّر لبنان في تحصين دولته وقراره السيادي، ازداد خطر أن يُترك وحيدًا أمام ارتدادات أزمة إقليمية لم يكن طرفًا في صنعها، لكنه قد يكون من أوائل من يدفع ثمنها.