وزع المكتب الاعلامي لعضو تكتل "الجمهورية القوية" النائبة غادة أيوب الكلمة التي ألقتها في جلسة مناقشة مشروع موازنة 2026
وجاء فيها:
دولة رئيس مجلس النواب،
دولة رئيس مجلس الوزراء،
حضرات الوزيرات والوزراء،
الزميلات والزملاء النواب،
نحن اليوم لا نناقش مجرد مشروع موازنة أو جداول أرقام، بل نناقش نهجًا وذهنية ما زالت تتحكّم بإدارة الدولة وبالمالية العامة.
وأنا أتحدث من موقع تشريعي ورقابي، لا من باب المواجهة الشخصية ولا من باب تسجيل النقاط، بل من باب المسؤولية الدستورية. فالمشكلة ليست في الأرقام بحدّ ذاتها، بل في المسار، وفي الاستسهال المتكرر لتجاوز الدستور والقانون تحت عناوين مختلفة.
وهنا ولأول مرة، أنا لا اتكلم عن الحكومة بل بكل أسف أتكلم عن لجنة المال والموازنة وطريقة إدارتها وأداء بعض الزملاء النواب لا سيما في الجلسة الأخيرة للجنة.
دولة الرئيس،
الموازنة هي قانون أساسي لانتظام المالية العامة، فاحترام المبادئ التي على اساسها يتم اعداد وإقرار الموازنة ليس قرارا سياسيا بل واجب دستوري. وعندما تُدار الموازنة بمنطق التسويات أو فرض الأمر الواقع، نكون أمام مسّ مباشر بهيبة الدولة وبثقة اللبنانيين بمؤسساتهم.
الدستور واضح في هذا المجال.
فالمادة 65 من الدستور لم تكتفِ بتحديد دور مجلس الوزراء في وضع السياسة العامة، بل اعتبرت الموازنة من المواضيع الأساسية التي لا تُقرّ كقرار عادي، بل تحتاج إلى أكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة.
وهذا يؤكد أن مشروع الموازنة يجب أن يُقرّ في مجلس الوزراء بكامل عناصره وبأكثرية معزّزة، وأن أي تعديل جوهري أو استكمال أو إضافة ذات أثر مالي خارج هذا الإطار يُشكّل مسًّا مباشرًا بالشرعية الدستورية وبقرار الحكومة.
كما أن المادة 65 تكرّس دور مجلس الوزراء كسلطة تنفيذية جماعية مسؤولة عن وضع السياسة العامة، بما فيها السياسة المالية، ولا يجوز لأي جهة كانت أن تصادر هذا الدور أو تلتفّ عليه.
فالموازنة ليست إجراءً تقنيًا، بل قرار سيادي مالي، والدستور وضع لها سقفًا عاليًا من الحماية لا يجوز النزول عنه تحت أي ظرف.
أما المادة 84 من الدستور، فقد وضعت إطارًا واضحًا لمناقشة الموازنة حفاظًا على التوازن المالي ومنع العبث بالمال العام، إذ نصّت على ما يلي:
«لا يجوز للمجلس في خلال مناقشة الميزانية ومشاريع الاعتمادات الإضافية أو الاستثنائية أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة أو في بقية المشاريع المذكورة، سواء كان ذلك بصورة تعديل يُدخله عليها أو بطريقة الاقتراح. غير أنه يمكنه، بعد الانتهاء من تلك المناقشة، أن يقرّر بطريقة الاقتراح قوانين من شأنها إحداث نفقات جديدة».
كما جاءت المادة 19 من قانون المحاسبة العمومية صريحة بمنع إدخال أي زيادة أو تعديل ذي أثر مالي على مشروع الموازنة خلال مناقشته في المجلس النيابي، إلا بعد أخذ الرأي الخطي لوزارة المالية وموافقة مجلس الوزراء.
وإلى جانب ذلك، أكدت المادة 99 من النظام الداخلي لمجلس النواب أن المجلس لا يجوز له زيادة الاعتمادات المقدّرة في الموازنة إلا بموافقة الحكومة، مع احتفاظه بحق التخفيض أو النقل ضمن الأطر المحددة، احترامًا لمبدأ فصل السلطات.
هذه النصوص ليست وجهة نظر، وليست تفصيلًا إجرائيًا، بل ضوابط دستورية وقانونية وُضعت لمنع الفوضى المالية وتسييس المال العام.
لكن ما حصل في لجنة المال والموازنة أسقط كل هذه الضوابط، وجعل الدستور وجهة نظر، والتحايل على القوانين أداة سياسية لا رقابية، ما يطرح تساؤلات جدّية حول مفهوم بناء الدولة الذي التزم به هذا العهد وهذه الحكومة.
وهذا يتناقض صراحة مع ما ورد في البيان الوزاري، حيث التزمت الحكومة بأن «أول الأهداف التي تضعها أمام أعينها وأرقى المهام التي ستنكب على إنجازها هو العمل على قيام دولة القانون بعناصرها كافة، وإصلاح مؤسساتها، وتحصين سيادتها…».
دولة الرئيس،
اسمحوا لي أن أُدرج بعض المخالفات الجوهرية التي شابت طريقة إجراء تعديلات على موازنة 2026 في لجنة المال والموازنة، من دون تعدادها كاملة، لأن بعضها، إذا ما أُقرّ على ما هو عليه، سيكون عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري:
1. إضافة مواد جديدة دون العودة إلى مجلس الوزراء، ودون توزيعها وفقًا للأصول على النواب لدراستها وإقرارها.
2. توزيع احتياطي الموازنة وتصفيره من دون العودة إلى مجلس الوزراء، ما أدّى إلى البحث عن إيرادات جديدة لتغذية هذا البند.
3. زيادة اعتمادات الموازنة ووارداتها دون العودة إلى مجلس الوزراء.
4. تكريس سابقة خطيرة باعتبار أن وزير المالية أو من يمثّله يقوم مقام الحكومة اللبنانية جمعاء، وقراره يحلّ محل قرار مجلس الوزراء.
5. عدم احترام مبدأ فصل السلطات في إعداد الموازنة العامة وإقرارها.
دولة الرئيس،
١- المخالفة الاولى: إضافة مواد جديدة دون العودة إلى مجلس الوزراء، ودون توزيعها وفقًا للأصول على النواب لدراستها وإقرارها.
خلال الجلسة الأخيرة للجنة المال والموازنة التي عقدت نهار الأربعاء الواقع فيه 21 كانون الثاني 2026، وذلك لمتابعة درس مشروع القانون الوارد بالمرسوم (1478) المتعلق بقانون الموازنة العامة للعام (2026)، ( والذي يتضمن 49 مادة قانونية)
وبعد الانتهاء من مناقشة وإقرار المواد المعلقة والبالغ عددها 14 مادة من مشروع موازنة 2026 المرسل من الحكومة وفقا للأصول،
أبرز النائب ابراهيم كنعان ملفا ورقيا كان بحوزته زعم أنه من وزارة المالية يتضمن عددا من المواد الجديدة التي يريد إضافتها إلى المشروع المحال من الحكومة، وذلك دون توزيعها على النواب وفقا للنظام الداخلي لمجلس النواب ودون إحالتها وفقا للأصول من قبل مجلس الوزراء وبغياب وزير المالية لكن بحضور مدير الواردات السابق لؤي الحاج شحادة،
اعترضنا بقوة على هذه المخالفة الدستورية والقانونية بحيث لا يجوز إضافة أي مواد قانونية على مشروع الحكومة دون احالة من مجلس الوزراء ودون إرسالها وفقا للأصول إلى النواب لمناقشتها ،
وهنا أصرّ كنعان ومعه بعض النواب على المضي قدما في مناقشة هذه المواد الجديدة والاكتفاء بتسجيل اعتراضنا في المحضر وبدأ بمناقشة اول مادة بعنوان إقرار نظام ضريبي خاص … دون توزيعها على النواب بل كان يكتفي بتلاوة عنوانها وتفسيرها،
وبعد اعتراضنا الشديد قرر ان يصوت عليها من حيث المبدأ أي فقط على العنوان واخذت ٦ اصوات مع مقابل ٤ ضد،
وعندما علا الصراخ أوقف الجلسة واعطى فرصة من الساعة ٢ إلى الساعة ٤ بعد الظهر وهنا تمنينا عليه التوقف عن هذه الممارسة وارسال المواد بواسطة البريد الإلكتروني أو طباعتها لكنه رفض.
وما إن عدنا عند الساعة الرابعة من بعد الظهر استكمل النقاش بالهواء على مواد أخرى قال إنها من وزارة المالية حتى بلغ به الأمر للقول ان النواب يمكن أن يتبنوها لاحقا بغض النظر من أين وردت وهكذا استطاع تمرير أكثر من ١٠ مواد بهذه الطريقة وعمد إلى ترحيل البقية إلى الهيئة العامة.
ولم يرسل إلى النواب حتى تاريخه عبر امانة السر سوى مادة وحيدة وهي المادة التي سبق ان صوت عليها بعنوان إقرار نظام ضريبي خاص والباقي لم نطلع عليه سوى في مشروع الموازنة المرسل الينا لمناقشته في الجلسة العامة بعد إدخال تعديلات لجنة المال والموازنة بحيث أصبح عدد مواده 55 علما ان الموازنة المرسلة من الحكومة كانت قد أصبحت 47 مادة بعد إلغاء مادتين منها. وهكذا يكونوا قد أضافوا كل المواد الجديدة خلافا للأصول ،
مع الإشارة إلى أن مادة رسم الانتقال لوحدها تعدل 9 مواد من القانون إضافة إلى تعديل جدولين.
وعليه
أصبحت الموازنة العامة 55 مادة قانونية خلافا للقانون والدستور الذي يسمح فقط للجنة النيابية بتعديل المواد القانونية الموجودة أو بإلغائها أو تصحيحها ولا يسمح بإضافة مواد جديدة لأنها تتضمن أثرا ماليا ودون العودة إلى مجلس الوزراء بما تضمنته من إعفاءات ضريبية وزيادة إيرادات وتخفيض ضرائب ورسوم الأمر الذي يؤثر على توازن الموازنة،
وذلك كله بفعل إصرار رئيس لجنة المال والموازنة ووجود موظف من وزارة المالية اعتبره كنعان في تقريره ممثلا للحكومة جمعاء.
دولة الرئيس،
هل هكذا نستجيب لتطلّعات اللبنانيين إلى دولة قادرة وعادلة وعصرية وفاعلة تستعيد ثقة مواطنيها؟
وهل تقبل الحكومة بهذا النهج الذي ينتقص من هيبة الدولة ويتجاوز صلاحياتها؟
وهل يغطي هذا العهد هذه التجاوزات ومن يقوم بها؟
دولة الرئيس،
٢- المخالفة الثانية : توزيع احتياطي الموازنة وتصفيره من دون العودة إلى مجلس الوزراء، ما أدّى إلى البحث عن إيرادات جديدة لتغذية هذا البند.
المشكلة الأساسية في موازنة 2026 ليست في بند هنا أو رقم هناك، بل في النهج الذي ما زال يقوم على تجفيف واردات الدولة بدل بناء دولة قادرة وعادلة.
الدولة القوية بإيراداتها هي دولة تحاسب وتُنصف،
أما الدولة الضعيفة والمجفّفة فتتحول إلى دولة زبائنية يُبتزّ فيها المواطن بدل أن يُحترم حقه.
نحن نرفض هذا النهج، ونرفض إدارة المالية العامة بحسابات شعبوية أو انتخابية قصيرة الأمد، لأن كلفتها يدفعها اللبنانيون لاحقًا تضخمًا وفوضى وضرائب غير عادلة.
وهذا ما حصل فعليًا مع احتياطي الموازنة في لجنة المال والموازنة، علمًا أن وزير المال نفسه، الذي ناقش الوزراء في مشاريع موازناتهم داخل مجلس الوزراء، امتنع عن تلبية طلباتهم حفاظا على توازن الموازنة، طالبًا منهم التوجه إلى لجنة المال والموازنة لطلب اقتراحات قوانين تزيد من إيراداتها وليس الأخذ من الاحتياطي وفقا لما تم توضيحه من قبل الوزير.
أما احتياطي الموازنة الذي يشكل بابا في الموازنة يتضمن الاعتمادات التي ترصد في الموازنة العامة لتغطية النفقات المشتركة والاعتمادات اللازمة لتدارك اي خطأ او طارئ خلال السنة المالية، أو كما يقال " بالدارج : خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود."
لكن الحكومة اليوم إذا ما حصل أي فيضان في البلد لن يكون باستطاعتها الاستجابة لأن رئيس لجنة المال والموازنة صفّر الاحتياطي وهي تبحث الآن عن طريق لتغذيته ولذلك نحن نناقش موازنة 2026 الآن دون احتياطي ودون توزيع جدول بإجمالي النفقات الموزعة على أبواب الموازنة لأنهم ليس لديهم أرقام !
إن احتياطي الموازنة البالغ 29 الف مليار ليرة لبنانية يمثل النفقات المشتركة والمبالغ الموضوعة جانبا لتدارك اي نقص او طارئ عند تنفيذ الموازنة العامة ،
- وهي توزعت على الشكل التالي
- 10000 مليار رواتب واجور
- 19000 مليار أمور طارئة
لكن ما حصل فعليا ، إذ خلال دراسة مشروع الموازنة العامة في لجنة المال والموازنة في احد الجلسات وبوجود وزير المالية ياسين جابر اعترض عدد من النواب على قول وزير المالية أن هناك اموالاً مرصودة في احتياطي الموازنة لاعادة الإعمار يمكن نقلها عند الحاجة وبعد اقرار الموازنة إلى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة ،
وهنا، بعد ان هدد أحد النواب بعدم صدور موازنة إذا لا تتضمن اعتمادات لإعادة الإعمار فما كان من وزير المالية أن وافق معه على اعطائه من الاحتياطي مبلغ 6000 مليار ليرة لبنانية الى مجلس الجنوب و2000 مليار ليرة لبنانية إلى الهيئة العليا للإغاثة رغم اعتراضنا ومطالبتنا بأن تكون أموال إعادة الإعمار في صندوق مستقل وتمول من خارج الموازنة العامة،
الأمر الذي دفع بالنائب ابراهيم كنعان الى اتخاذ هذا الاستثناء مبررا له ليقوم بتوزيع كامل الاحتياطي على الوزارات الباقية وتصفيره مقابل كتاب منهم وبموافقة ممثل وزير المال دون العودة إلى مجلس الوزراء وفقا لجدول وزعه على الاعلام وذكره في تقرير لجنة المال.
وعليه،
إن توزيع الاحتياطي قبل اقرار الموازنة ودون العودة إلى مجلس الوزراء هو تطاول على صلاحيات مجلس الوزراء خلال تنفيذ الموازنة العامة ومنعه من توزيعها وفقا لما تنص عليه المادة 26 من قانون المحاسبة العمومية.
وذلك يؤدي إلى ضرورة البحث عن ايرادات جديدة لتغذية باب احتياطي الموازنة، الأمر الذي لا يمكن أن يحصل دون العودة إلى مجلس الوزراء، وهكذا، ومع غياب وزير المال، ولكن بحضور ممثلين عنه، كُرّت السبحة، فجُفّف باب احتياطي الموازنة بالكامل، وتم تصفيره عبر تغييب دور مجلس الوزراء والتطاول على صلاحياته.
فهل يعكس هذا المسار مفهوم التضامن الوزاري؟
وهل ينسجم مع ما وعدتم به في بيانكم الوزاري حين قلتم:
«نريد دولةً وفيّة للدستور ووثيقة الوفاق الوطني… ويقتضي هذا الوفاء تصويب التطبيقات المخطئة التي شابتها عبر السنين»؟
فهل تقبل الحكومة بما حصل؟
دولة الرئيس،
٣- المخالفة الثالثة: في زيادة اعتمادات الموازنة ووارداتها دون العودة إلى مجلس الوزراء
- لقد تم زيادة النفقات والواردات بحيث أصبحت 538,415,617,000,000,000
- بينما كانت 534,715,617,000,000,000
- وذلك بقرار من وزير المالية او من كان يمثله ورئيس اللجنة دون العودة إلى مجلس الوزراء خلافا للقانون والدستور .
٤- المخالفة الرابعة: تكريس سابقة في عمل رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان بحيث اعتبر ان وزير المالية يمثل الحكومة اللبنانية جمعاء.
لقد اعتبر رئيس لجنة المال والموازنة وذكر ذلك في تقريره ان وزير المالية او من يمثله من موظفي وزارة المالية هو ممثل الحكومة اللبنانية وهذا الأمر يعفيه ويعفي الوزير من العودة إلى مجلس الوزراء لطلب موافقته الخطية على تعديلات الموازنة العامة وفقا للأصول.
دولة الرئيس،
وعبركم دولة الرئيس نواف سلام ،
فلنقفل باب الحكومة، وتوقفوا عن إعداد الموازنة لأن لجنة المال والموازنة عدلت دستور الطائف وأصبح رئيس لجنة المال والموازنة مع ممثل الحكومة يقومون بإعداد موازنات بديلة وبتغيير سقف الإنفاق الإجمالي دون رقيب أو حسيب.
دولة الرئيس،
أين أصبحنا، وهل هكذا تدار مالية الدولة ونراقب عمل الحكومات ؟
دولة الرئيس،
٥- المخالفة الخامسة: عدم احترام مبدأ فصل السلطات في موضوع الموازنة العامة للدولة
إن هذه الممارسة التي قام بها رئيس لجنة المال والموازنة مع بعض النواب إلى جانب وزير المال أو ممثله في بعض الأحيان تمثل انتهاكا لمبدأ فصل السلطات الذي يفترض أن تقوم السلطة التنفيذية بإعداد الموازنة والسلطة التشريعية باقرارها لتقوم السلطة التنفيذية بتنفيذها ومن ثم تقوم السلطات الثلاث بالرقابة على تنفيذ الموازنة.
وعليه
أخذت لجنة المال والموازنة إلى جانب وزير المالية أو ممثله دور وصلاحيات الحكومة ما يشكل انتهاكا للدستور وقانون المحاسبة العمومية الذي وضع ضوابط لعمل لجنة المال والموازنة أثناء إقرارها الموازنة.
دولة الرئيس،
أعود إلى عنوان وطني أساسي وهو إعادة الإعمار.
أعلن من على هذا المنبر أنني، كابنة للجنوب النازف، وُلدت في صيدا وترعرعت في مغدوشة، وانا من منطقة جزين، كنت وما زلت مع إعادة الإعمار، ومع أن تتحمّل الدولة مسؤوليتها كاملة تجاه مواطنيها، رغم أنها لم تتخذ قرار الحرب الذي جرّ البلد إلى ويلات ومآسٍ دفع اللبنانيون أثمانها الباهظة في الأرواح والممتلكات.
نعم، أنا مع إعادة الإعمار، ومع تأمين بدل الإيواء لأهلنا، ومع إزالة الأضرار، ومع كل مواطن تضرّر، بغضّ النظر عمّا إذا أيّد هذه الحرب أم لم يؤيّدها.
لكننا نرفض أن تتحول إعادة الإعمار إلى أداة استنسابية أو وسيلة ابتزاز انتخابي.
الحكومة التزمت في بيانها الوزاري بتمويل إعادة الإعمار، ونصّت حرفيًا على إنشاء «صندوقٍ مُخصصٍ لهذه الحاجة المُلّحة يمتاز بالشفافية ويُسهم في إقناع المواطنين أن الدولة تقف إلى جانبهم ولا تُميّز بينهم».
وعليه،
فإن إدخال إعادة الإعمار في الموازنة العامة بالطريقة التي أُدخلت فيها، وبالذهنية التي فُرضت، والتي انصاع لها وزير المال بعد سماع تهديد في لجنة المال والموازنة بأن «الموازنة لن تمرّ إذا لم تتضمن بندًا واضحًا لإعادة الإعمار»، يشكّل خرقًا لروح البيان الوزاري، ويفتح الباب أمام التسييس والتوزيع الانتقائي، وهو أمر مرفوض بالنسبة إلينا.
ولا يفوتني التذكير بأن كتلة الوفاء للمقاومة نفسها شددت، في بيانها الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني 2026، على ضرورة إخراج ملف إعادة الإعمار من التجاذبات السياسية.
وفي هذا السياق، ألفت نظر السادة النواب والحكومة إلى أن مجلس الجنوب وحده حصل على ما يقارب 19 مليون دولار سلفات خزينة في العام 2024، والمطلوب تسديدها في 2026 إضافة إلى موازنته الأساسية، وإلى زيادة بقيمة 6000 مليار ليرة من احتياطي الموازنة.
ومع ذلك، يستمر البعض بطريقة الفرض في موازنة الدولة، ومن جيوب اللبنانيين، تلبيةً لمصالح انتخابية، وخلافًا لما التزمت به الحكومة في بيانها الوزاري.
دولة الرئيس،
الإعمار حق للناس، لا وعدًا انتخابيًا، ولا وسيلة لتجديد الشرعيات السياسية.
ومن هذا المنطلق، أدعو الحكومة اللبنانية إلى وقف هذا النهج، والالتزام ببيانها الوزاري، وإنشاء الصندوق المخصص لإعادة الإعمار، والذي يجب تغذيته أولًا من القروض التي تمت الموافقة عليها حتى الآن، إلى جانب حشد الدعم العربي والدولي، وليس من جيوب اللبنانيين الذين يدفعون الضرائب ويعيشون تحت خط الفقر، كالموظفين العامين والعسكريين والمعلمين.
دولة الرئيس،
لا يمكن مناقشة موازنة 2026 من دون التوقف عند دعم الجيش اللبناني والمؤسسات العسكرية والأمنية، وإنصاف المتقاعدين والقطاع العام.
الدولة التي نريد قيامها لا يمكن أن تُضعف مؤسساتها التي تحميها وتحمي أبناءها.
والدولة التي التزمت الحكومة ببنائها هي دولة تؤمّن حق اللبنانيين في العيش الكريم، وفي طليعتهم العسكريين والمتقاعدين.
لذلك، يجب دعم زيادة رواتب العسكريين والمتقاعدين ضمن رؤية عادلة ومسؤولة تحفظ كرامتهم وقدرتهم الشرائية، خصوصًا أن الوقائع أثبتت أنه، وبعد تجفيف الاحتياطي، استطاعت وزارة المالية زيادة الإيرادات بما يقارب 4000 مليار ليرة، وكان بالإمكان البدء بإنصاف العسكريين والمتقاعدين بدل توزيع الاحتياطي بالشكل الذي حصل.
وفي السياق نفسه، على الحكومة واجب إنصاف شامل وعاجل للقطاع العام.
دولة الرئيس،
أنا من القطاع العام، والقول أن جميع موظفي القطاع العام هم فاسدون فهذا تجنٍ وافتراء ، فنحن نطالب منذ سنوات بالتطهير الإداري ومحاسبة المرتكبين وانصاف الباقين، ولقد حان الوقت.
دولة الرئيس،
يبدأ هذا الإنصاف، بالنسبة إلى الضريبة التي تفرض بغير وجه حق على ما يعرف بالمساعدات الاجتماعية والتي لا يتم إدخالها إلى أساس الراتب، نؤكد موقفنا الواضح:
نحن مع إلغاء الضريبة على المساعدات الاجتماعية فورا وذلك في هذه الموازنة وبنص صريح، لأنها لا تعتبر بمثابة الدخل،
والعمل على إدخال هذه المساعدات والمضاعفات والحوافز في أساس الراتب، تحقيقًا للعدالة والاستقرار الوظيفي.
كما يقتضي استعادة تدريجية لقيمة الرواتب التي كان يتقاضاها الموظف قبل عام 2019، أو ما يوازيها فعليًا بالدولار، بما يعيد القدرة الشرائية، ويحرّك الاقتصاد، ويمكن الإدارة من خدمة الناس بكرامة.
ولا يمكن تجاهل إنصاف المتقاعدين منذ عام 2019، وإعادة النظر بتعويضاتهم، في كامل القطاع العام والمؤسسات العسكرية.
دولة الرئيس،
هذه ليست معركة أشخاص ولا مواقع،
بل معركة بين نهج يريد دولة ضعيفة تُدار بالاستنسابية،
ونهج يريد دولة قانون تحترم الدستور، وتنصف الناس، وتعيد بناء الثقة.
نحن نريد موازنة تحترم الأصول،
تمنع تسييس المال العام،
تعيد الإعمار بشفافية،
وتدعم الجيش والموظفين والمتقاعدين بكرامة.
هذه معركة دولة.