ما نُقل عن قناة «الحدث» لجهة الغضب في رئاسة الجمهورية اللبنانية من خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، لا يمكن التعامل معه كخبر عابر أو تسريب إعلامي للاستهلاك السياسي. نحن أمام لحظة مفصلية تكشف بوضوح الصراع الحقيقي في لبنان: صراع بين دولة تحاول استعادة قرارها، ومنظومة تفرض نفسها فوق الدولة وتتعامل مع الوطن كساحة مفتوحة لحروب الآخرين.مصادرة لقرار السلم والحرب، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي كيان. فحين يخرج طرف لبناني ليهدد باسم لبنان، من دون تفويض الدولة ومؤسساتها الدستورية، فهذا يعني عمليًا أن هناك من يعتبر نفسه فوق الجمهورية، وفوق الدستور، وفوق إرادة الشعب.لبنان اليوم بلد منهك، اقتصاد منهار، مجتمع مرهق، شباب يهاجر، ومؤسسات تكافح للبقاء. ومع ذلك، لا يزال هناك من يتعامل مع هذا الواقع وكأنه تفصيل، ويهدد بإشعال جبهة عسكرية وكأن الشعب اللبناني وقود مجاني لمعارك إقليمية لا قرار له فيها ولا مصلحة له بها. هذا السلوك ليس بطولة، بل استهتار موصوف بحياة اللبنانيين ومستقبلهم.من هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على من أطلق هذا التهديد، بل أيضًا على السلطة السياسية الشرعية.فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، أمام اختبار تاريخي لا يحتمل الالتباس. إن أي تردد، أو صمت، أو مواقف رمادية في هذه اللحظة، لن تُفسَّر على أنها حكمة، بل ستُقرأ كعجز أو قبول بالأمر الواقع.فخامة الرئيس، أنتم حامي الدستور ورمز وحدة الدولة. أي تهديد بفتح جبهة من خارج قرار الدولة هو تحدّ مباشر لموقع الرئاسة الأولى وللهيكل الدستوري برمّته. المطلوب موقف واضح يعلن أن لبنان ليس ساحة، وأن قرار الحرب لا تُتخذ من منابر حزبية بل من مؤسسات الدولة فقط.دولة الرئيس نواف سلام، الحكومة ليست إدارة أزمات يومية فحسب، بل المرجعية الدستورية لقرار السلم والحرب. وأي خطاب يهدد بجرّ لبنان إلى مواجهة عسكرية من دون قرار مجلس الوزراء هو انقلاب على دور الحكومة وعلى مفهوم الدولة نفسها. السكوت هنا لا يحمي الاستقرار، بل يفتح الباب أمام الخراب.إن من يهدد بفتح جبهة، يهدد: أمن اللبنانيين، اقتصادهم، استقرارهم الاجتماعي، وموقع لبنان الدولي.وبالتالي، فإن أي دمار أو دم أو انهيار ينتج عن هذا النهج يجب أن يُحمَّل بوضوح وصراحة إلى الجهة التي اتخذت قرار التهديد، وإلى كل من امتنع عن مواجهتها بموقف رسمي حازم.لبنان ليس صندوق بريد للرسائل الإقليمية، ولا خط تماس دائم، ولا ساحة مستباحة. لبنان دولة، ومن يتصرف على عكس ذلك إنما يعتدي على الكيان الوطني نفسه. وأي جهة، مهما رفعت من شعارات، حين تصادر قرار الدولة وتجرّ اللبنانيين إلى الحروب، إنما تمارس فعلاً عدائيًا بحق الوطن وشعبه، لا علاقة له لا بالدفاع ولا بالسيادةاليوم، لم يعد مقبولًا الاختباء خلف العبارات العامة والبيانات الضبابية. المطلوب إعلان واضح:قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة اللبنانية، وأي تجاوز لهذا القرار هو خروج على الشرعية وجريمة وطنية مكتملة الأوصاف. التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، ومن يساهم بالفعل أو بالصمت في جرّ لبنان إلى الخراب، سيتحمل المسؤولية كاملة أمام اللبنانيين وأمام الأجيال القادمة.