خفِرٌ، متواضع، طيّب الروح والقلب! عرفناه منتصف السبعينات. يومها، كنا في جحيم البارود والرماد. وكان جان خليفة...
مِن رعيل التجريديّين الأوائل في لبنان. مدرسة – عَبْرَ السنوات – أنتجت جيلَ نيو - حداثة. بتوتر عنيف، كان يُشطّب خطوطه سهامًا لونيّة، كأنها جروح معاناة، أو أكيدًا، وبجرأة اللّامبالي الواثق.
صاغ نفسَه بفرادة. لم يتكئ على تجربة سواه. نَهَلَ من سيرته ومن التحوّلات العميقة التي كسرت الإنسان اللبناني والمدينة.
هو رسّام – شاهدٌ بصريّ، على أزمات يوميّات عمره، في زمنٍ صعب متقلّب.
وُلد جان خليفة في بيئة كثيرة التناقضات: جمالات الطبيعة من جهة، وقلق التاريخ والمآل. هذا التوتر المبكّر انعكس على ميوله الفنيّة الأولى، وبدا له الرسم فعل خلاص لفهم عميق لهذا العالم!
بدأ مستكشفًا المدارس الكلاسيكية، بحكم الدراسة، ثمّ تدريجيًّا، راح نحو الحداثة التعبيريّة التي تستوعب الانفعال وقلق الذات.
مع تجذر التجربة، بدأت تتفكّك الأشكال، وتجرّأت الخطوط، واستقلّت الألوان، ولم يعد الموضوع أساسًا، بل التأثير النفسي على قارئ اللوحة.
إلى البساطة الظاهرية، صار العمل مشحونًا لا بتزينيّة اللون، بل بذاكرةٍ وتحريضٍ على التفكير.
أهمية تجربة جان خليفة في صدقه الفني. فهو لم يرسم لإرضاء سوق أو أذواقٍ متطلّبة. وعلى الرغم من محلِّيّته، فقد تجاوزت أعماله الجغرافيا المسطّحة، لتطرح أسئلة شائكة عامة وإنسانية المعاني: الذاكرة – الخوف – العزلة – الأمل - الما بعد...
الكلام على تجربة جان خليفة الحداثيّة، تقضي بفتح شباك على هذه المدرسة الفنية في لبنان والعالم.
مطلع القرن العشرين، تهاوت المُسلَّمات الكبرى في أساسات الحضارة الغربية: العقلانيّة المطلقة، والإنسان بوصفه مركز الكون.
وقعت الحرب العالميّة الأولى والثانية، بعد حوالى عقدَين، لتفجِّر مقولة أن الواقعية قادرة على تصوير واقع العالم! فكان لا بدّ من ابتداع لغة جديدة، تفكِّك التشكيل ورؤية الفنان الأبعد من المنظور. فالفن التجريديّ، لم يكن نزوة شكليّة أو مزاجًا آنيًّا، بل وُلد في لحظةِ انكسار عميق في الإدراك الإنساني، إزاء التحوّلات العاصفة في العالم، وحيال مآسي الحروب.
كان ردّ فعلٍ وجوديًّا على يقينيّات عصر بدأت تتلاشى مقوّماته الكلاسيكيّة، وليس مجرّد بحثٍ جمالي فني!
عرف العالم انتفاضة جرأة في مقاربة جديدة تمامًا، مع قامات فنية، مثال: ماليفيتش (1879 - 1935) - كاندينسكي (1866 - 1944) - بولوك (1912 - 1956) - كليمت (1862 - 1918) - موندريان (1872 - 1944) - روثكو (1903 – 1970). وكانت فلسفة هذا التوجّه لا نقل صورة العالم الخارجي، بل النفاذ إلى ما لا يُرى، تعبيرًا عن ارتعاشات الروح في أزمنة القلق، عَبْرَ احتجاج صامت على الأزمات لكنه معاند لعالم فقد إنسانيّته.
في لبنان لم يكن التجريد – عامةً – استنساخًا غربيًّا تمامًا، بل صار حوارًا مع الذاكرة والتراث. فمنذ الخمسينات من القرن الماضي، بدأ الفنانون اللبنانيون وخاصةً الجيل الذي درس في المعاهد الأوروبيّة، التفتيش عن لغة تشكيليّة حديثة، من دون القطع مع الجذور الثقافية... هنا يندرج اسم جان خليفة مع شفيق عبود وإيفيت أشقر وبول غيراغوسیان وسلوى روضة شقير وعارف الريّس ورفيق شرف وسواهم، كرعيل مؤسّس لتيّار التجريد.
كنا نجالسه في المحترف، وفي المقاهي الهادئة وأمكنة غير مألوفة – في الطبيعة مثلًا - كان يحمل في جيبه دفترًا صغيرًا، يرسم عليه خطوطًا، اختزال وجوه، ويردّد: "الرسم قضيّتي بدونه لا أعيش، وأستمتع بالتأمل في وجوه الناس والأشياء ونبض الشوارع وأترجمها على القماشة، بحسب المزاج!".
كثيرًا ما كان يُسأل عن معنى لوحة تجريديّة لم يفهمها الجمهور، وكانت إجابته: "إذا شرحت معاني العمل الفني، تصبح محاضرة لا لوحة، وهذا ليس شغلي!".
لم يكن جان خليفة مهتمًّا بمظهره الخارجي، تأنُّقًا. فاللّباس لم يكن يعنيه إطلاقًا. وكان يردّد: "المهمّ أن تكون لوحتي أنيقة!".
في وقت متأخر ذات ليلة، ترك لوحة في المحترف غير منتهية، وكانت تمثل جسد امرأة عارية... في صباح اليوم التالي، كان جان خليفة في مدار آخر.
* على هامش المعرض الاستعادي الذي أقيم في صالة "غاليري مارك هاشم" - بيروت.





