كل عام، يجتمع المجتمع الدولي في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي لبحث القضايا العالمية الكبرى. حضور الدول هناك فرصة لإظهار جدية الحكومات في مواجهة التحديات. هذا العام، مثَّل لبنان رئيس الحكومة نواف سلام في المنتدى، وسط أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة. لكن المشاركة في المنتديات الدولية لا تكفي لإقناع العالم. المجتمع الدولي لم يعد يسأل: ما هي خطتكم؟، بل أصبح يسأل: ماذا نفذتم؟ ومتى؟ ومن حوسب؟
لبنان يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة، حيث يعاني المواطنون من:
1. انهيار الليرة وارتفاع الأسعار
2. فقدان القدرة الشرائية وارتفاع البطالة
3. أزمة مالية ومصرفية حادة
4. انقطاع الخدمات الأساسية
كما أن لبنان بلد مثقل بالديون، مع دين عام تجاوز 200% من الناتج المحلي، ما يجعل أي خطة اقتصادية أو استثمارية محدودة التأثير إذا لم ترافقها إصلاحات مالية جذريّة ومحاسبة واضحة. أي خطاب سياسي أو حضور دولي لن يغيّر الحقيقة على الأرض. المطلوب إصلاحات فعلية وملموسة، شاملة وجذرية، لا ربطها بمسألة واحدة أو التركيز على زاوية محدودة. الاعتماد على قضية واحدة مثل حصرية السلاح، أو تبديل الأشخاص داخل منظومة سياسية واقتصادية متكررة، لن يقدم حلولًا حقيقية. الدولة والاقتصاد لا يُبنيان على أسس مهترئة متوارثة في السياسة والاقتصاد، ولا على دراماتيكية الأحزاب والزعامات المتوارثة، أو التوظيف المحسوب الذي لم ينتج عنهم سوى تكرار منظومة واحدة بوجوه مختلفة.
المحاسبة الحقيقية شرط أساسي لأي خطة إصلاح
لا يمكن تقديم خطة اقتصادية أو استثمارية دون معرفة واضحة: أين ذهبت أموال الناس؟ ولماذا انهار القطاع المصرفي؟ العديد من المواطنين والشركات فقدوا ملايين الدولارات نتيجة انهيار المصارف وسوء إدارة القطاع المالي، مما جعل الثقة في النظام شبه معدومة. الاعتماد على الريع والمساعدات وحدها لن يُنجح أي قطاع اقتصادي. المطلوب خطط استثمارية منتجة ومستدامة تدعم القطاعات الاقتصادية وتعيد الثقة للمؤسسات والمواطنين. الاستثمار في العقل اللبناني والكفاءات الحقيقية هو قاعدة إصلاحية لا يمكن تجاهلها. الاستفادة من الخبرات، تشجيع الكفاءات، وضع آليات واضحة للمساءلة، وضمان استقلالية المؤسسات هي السبيل لإصلاح جذري ومستدام.
الدولة القوية والاقتصاد المتين يُبنيان على منظومة متكاملة تشمل:
الاقتصاد: ضبط المالية العامة، إصلاح القطاع المصرفي، خطط استثمارية منتجة، مكافحة الفساد.
السياسة: بناء مؤسسات شفافة وقوية، استقلالية القضاء، مشاركة ديمقراطية.
المجتمع: حماية الحقوق الأساسية، ضمان الخدمات العامة، العدالة الاجتماعية.
لتحويل الكلام إلى فعل، يجب على الحكومة اتخاذ خطوات فورية ملموسة في الأسابيع القادمة، مثل:
1. تشكيل لجنة محاسبة مستقلة خلال شهر لمراجعة تدفقات الودائع المصرفية من 2019–2025، ونشر تقرير علني يحدد المسؤوليات.
2. إطلاق برنامج جذب الكفاءات اللبنانية من الخارج بتسهيلات ضريبية وتأشيرات عمل سريعة، مستهدفاً 500 خبير في القطاعات الرقمية والطاقة قبل نهاية 2026.
3. إصلاح مصرفي أولي بتفعيل آلية استرجاع جزئي للودائع الصغيرة (أقل من 100 ألف دولار) عبر سندات حكومية مدعومة دولياً، لاستعادة الثقة الفورية.
4. عقد مؤتمر وطني للاستثمار في بيروت خلال الربع الأول من 2026، يركز على مشاريع منتجة في الزراعة والتكنولوجيا، مع ضمانات شفافية للمستثمرين الأجانب.
هذه الخطوات تحول الكلام إلى فعل وتفتح أبواب الدعم الدولي الحقيقي، مع ضمان المحاسبة الحقيقية واستعادة الأموال المفقودة للمواطنين والشركات، ومواجهة عبء الدين الضخم بطريقة مستدامة.
خلاصة: حضور لبنان في دافوس مهم، لكنه لن يكون فعالًا إلا إذا تزامن مع خطوات إصلاحية حقيقية وشاملة، قائمة على الكفاءة والمحاسبة وخطط استثمارية منتجة، وليس على استمرارية منظومة سياسية متكررة أو الاعتماد على الريع والمساعدات.