القاضي أنطوان الناشف

حصانة رؤساء الدول

8 دقائق للقراءة

طرحت مسالة دخول فرق عسكرية أميركية إلى دولة فنزويلا واعتقال رئيسها في الولايات المتحدة الاميركية ومحاكمته أمام محكمة أميركية بجرائم محددة من قبل النائب العام الأميركي المختص مسألة حصانة رؤساء الدول في القانون الدولي العام والمرجع المختص لمحاكمتهم والجرائم التي يتم محاكمتهم على أساسها وإجراءات اعتقالهم.

في الواقع لا توجد اتفاقية دولية تنظم مسألة حصانة الرؤساء والحكام من المسؤولية، غير أن ثمة عرفًا دوليًا يمنح الرؤساء أثناء قيامهم بوظائفهم حصانه من المسؤولية وقد توسع الأمر ليشمل مسؤولين آخرين يمثلون الدولة التي يتبعونها احترامًا لسيادتها. وهناك مثال على هذا الأمر حاصل عندما رفضت محكمة العدل الدولية رفع الحصانة عن وزير الخارجية الكونغولي في قرارها في القضية المرفوعة من الكونغو ضد بلجيكا بتاريخ 14/2/2002. وكذلك رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي تقدمت بها المنظمات الحقوقية عام 1998 لمحاكمة لوران كابلا رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية أثناء زيارته للدولتين.

لكن هذا الأمر مخالف للمبادئ العامة المنصوص عليها في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة نورمبرغ ومحكمة طوكيو التي أقرت عدم وجود أي حصانة لرؤساء ومسؤولي الدول عند ارتكابهم جرائم تم تحديدها في أنظمة تلك المحاكم:

اولًا – المبادئ المتعلقة بحصانة الرؤساء في محكمتي نورمبرغ وطوكيو.

في 8 آب عام 1945 عُقدت في لندن اتفاقية محاكمة كبار مُجرمي الحرب في أوروبا. وقد قررت هذه الاتفاقية إقامة محكمة عسكرية دولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب الذين ليس لجرائمهم محل جغرافي معين سواء لاتهامهم فيها بصفتهم الشخصية أو بصفتهم أعضاء في منظمات أو هيئات أو بالصفتين معًا. وعلى أثر ذلك شكلت محكمتان لمحاكمة كبار مجرمي الحرب إحداهما في مدينة نورمبرغ الألمانية والأخرى في مدينة طوكيو اليابانية.

وقد جاء تحديد اختصاص المحكمة بموجب نص المادة (6) من ميثاقها أن المحكمة تختص بمحاكمة وعقاب كل الأشخاص الذين ارتكبوا بصفتهم الشخصية أو بصفتهم أعضاء في منظمة تعمل لحساب دول المحور فعلًا يدخل في نطاق إحدى الجرائم التالية:

1 - الجرائم ضد السلام.

2 - جرائم الحرب.

3 - الجرائم ضد الإنسانية.

ويعتبر المدبرون والمنظمون والمحرضون والشركاء الذين ساهموا في وضع أو تنفيذ مخطط أو مؤامرة لارتكاب أحد الأفعال التي تدخل في الجرائم السابقة مسؤولين عن كل فعل تمَّ ارتكابه تنفيذًا لهذا المخطط ضد أي شخص.

وقد أكدت لائحة محكمة نورمبرغ مبدأ مسؤولية رئيس الدولة وكبار موظفي الحكومة عن الجرائم الدولية، فقررت في المادة السابعة "أن المركز الرسمي للمتهمين سواءً كانت جرائم حرب أو جرائم ضد السلام على أساس أنه ليس من المنطق أو العدل أن يعاقب المرؤوسون الذين ينفذون أوامر غير مشروعة يصدرها رئيس الدولة أو أعوانه ويعفى الرئيس الذي دبّر وأمر بارتكاب هذه الجرائم.

وقد رأت اللجنة القانونية المُشكلة لصياغة مبادئ نورمبرغ الأخذ بمبدأ مسؤولية رئيس الدولة ونصّت على ذلك في المبدأ الثالث منها بقولها: "إن مقترف الجريمة يُسأل عنها ولو كان وقت ارتكابها يتصرف بوصفه رئيسًا للدولة أو حاكمًا.

نصّت المادة (7) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ "أن المركز الرسمي للمتهمين سواء بصفة رؤساء دول أو بصفة موظفين كبار لن يؤخذ بعين الاعتبار كعذر أو كسبب مخفف للعقوبة.

وقد تمَّ تأكيد هذا المبدأ في ميثاق المحكمة وكذلك في الأحكام الصادرة عنها، ضمن سبعة مبادئ هي التالية:

1- أي شخص يرتكب فعلاً يشكل جريمة وفقًا للقانون الدولي يكون مسؤولًا عنها ومعرضًا للعقاب عليها.

2- لا يعفي عدم وجود عقوبة، في القانون الداخلي عن الفعل الذي يعد جريمة وفقًا للقانون الدولي، الشخص الذي ارتكب الفعل من المسؤولية طبقًا للقانون الدولي.

3- لا يعفى الشخص الذي ارتكب جريمة وفقًا للقانون الدولي كونه قد تصرف بوصفه رئيسًا للدولة أو مسؤولاً حكوميًا، من المسؤولية تطبيقًا لأحكام القانون الدولي.

4 - لا يعفى الشخص الذي ارتكب الفعل بناء على أمر من حكومته أو رئيسه الأعلى من المسؤولية وفقًا للقانون الدولي، بشرط وجود خيار معنوي كان متاحًا له.

5 - لكل شخص متهم بجريمة وفقًا للقانون الدولي الحق في محاكمة عادلة بخصوص الوقائع والقانون.

6 - يعد من الجرائم المعاقب عليها الجرائم التالية:

أ- الجرائم ضد السلام.

ب- جرائم الحرب.

ج- الجرائم ضد الإنسانية.

7 - يعتبر جريمة وفقًا للقانون الدولي الاشتراك في ارتكاب جريمة ضد السلام أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية

وقد درجت المحاكم الجنائية الدولية في كل من يوغوسلافيا وراوندا على تقرير هذا المبدأ في النظام الأساسي لكل منهما، فقد ورد في المادة (28) من النظام الأساسي لمحكمة يوغوسلافيا عام 1993على أنه " لا يعفي المنصب الرسمي للمتهم سواء أكان رئيس دولة أو حكومة أو مسؤولاً حكوميًا، هذا الشخص من المسؤولية الجنائية أو يخفف من العقوبة". وبالفعل تمّت مساءلة الرئيس اليوغوسلافي السابق، سلوبدان ميلو سوفيتش والذي توفي لاحقًا في السجن، أمام هذه المحكمة. كما أكدت محكمة راوندا لعام 1994 المبدأ ذاته في المادة (27) من نظامها الأساسي.

ثانيًا - المبادئ المتعلقة بعدم حصانة الرؤساء في المحكمة الجنائية الدولية.

في 25 أيار من العام 1993 صدر قرار مجلس الأمن بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية محددًا مقرها في لاهاي بهولندا.

وقد نصّت المادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة على أن من سلطاتها محاكمة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والتي ارتكبت في يوغوسلافيا السابقة منذ عام 1991، بما يتلاءم مع نصوص النظام السياسي الحالي. ومن ثم اختصت المحكمة بنظر الجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة الجنس وجرائم الحرب .

كما نصَّ النظام الأساسي أيضًا على المسؤولية الجنائية الفردية بما في ذلك مسؤولية رئيس الدولة بالنسبة لبعض الانتهاكات المحددة والتي ارتكبت خلال الاختصاص الموقت للمحكمة. وتلك الجرائم هي الانتهاكات الجسيمة لمعاهدات جنيف عام 1994، وانتهاكات قوانين وأعراف الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

نصت المادة (27) من نظام روما الأساسي في شأن المحكمة الجنائية الدولية على انه:

1- يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضًا في حكومة أو برلمان أو ممثلًا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي. كما أنها لا تشكل في حد ذاتها سببًا لتخفيف العقوبة.

2 - لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص، سواء كانت في إطار القوانين الوطنية أو الدولية دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص.

يؤكد هذا النص مبدأين مهمين الأول هو مساواة الأشخاص أمام هذه المحكمة بصرف النظر عن الصفة التي يتمتع بها أي منهم حتى ولو كانت هذه الصفة رسمية، بمعنى أن الصفة الرسمية ليست سببًا لتمييز من يتمتع بها عن الأخر الذي لا يحمل هذه الصفة، أما الثاني فيخلص إلى عدم الأخذ بالحصانات أو القواعد الإجرائية سواء نصَّ عليها في القوانين الجنائية الوطنية أو الدولية.

يبقى أن نشير إلى صعوبة أو استحالة إلقاء القبض على أي رئيس أو مسؤول تتم إدانته أمام المحكمة الجنائية الدولية لأن الأمر يستوجب إجراءات معقدة يمكن تحديدها كما يلي:

ورد في نص المادة (98) من النظام الأساسي للمحكمة

1- لا يجوز للمحكمة أن توجه طلب تقديم أو مساعدة يقتضي من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو يتنافى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي في ما يتعلق بحصانات الدولة أو الحصانة الدبلوماسية لشخص أو ممتلكات تابعة لدولة ثالثة، ما لم تستطع المحكمة أن تحصل أولًا على تعاون تلك الدولة الثالثة من أجل التنازل عن الحصانة.

2 - لا يجوز للمحكمة أن تتوجه بالطلب من الدولة الموجه إليها أن تتصرف على نحو لا يتفق مع التزاماتها بموجب اتفاقيات دولية تقتضي موافقة الدولة المرسلة كشرط لتقديم شخص تابع لتلك الدولة المرسلة لإعطاء موافقتها على التقديم.

استنادًا إلى المادة المشار إليها فإن المحكمة لا تملك وسيلة حازمة في إحضار المسؤولين عن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها للمثول أمامها فهذه المادة تستوجب أن يتواجد الأشخاص المحكومون من رؤساء أو قادة عسكريين أو غيرهم على إقليم دولة غير دولتهم التي ينتمون إليها بجنسيتهم، وتطلب المحكمة من الدولة التي يتواجدون فيها تسليم هؤلاء إليها. وحسب نص المادة (98) يتوجب على المحكمة أن تطلب أيضًا من الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها التنازل عن حصانة هؤلاء المتهمين المعترف لهم بها حسب تشريعاتها الوطنية - فإذا رفضت ذلك - لا تستطيع المحكمة أن تطلب من الدولة المتواجدين على إقليمها أن تتخلى عن التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية المتضمنة احترام حصانة المتهمين الممنوحة لهم بمقتضى قوانين الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم تفاديًا لما قد يتسبب به تسليمهم دون موافقتها من توتر في العلاقات بين الدول. وعلى ذلك يقتضي مثول المتهمين بارتكاب جرائم دولية تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، تعاون الدولة التي يتواجد على إقليمها المتهم والدولة التي ينتمي إليها بجنسيته ما يصعب تحقيقه غالبً.

إذًا وبالاستناد إلى الفقرة الأولى من المادة (98) المشار إليها تصبح المحكمة الدولية الجنائية غير قادرة على مباشرة اختصاصها إلا بعد الحصول على موافقة الدولة المعنية أي الدولة الموجه إليها الطلب.