ما زالت المنطقة تحبس أنفاسها بانتظار ما سيؤول إليه الحراك الدبلوماسي الهادف إلى سحب فتيل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. يواجه ملالي طهران تحدّ وجودي لنظامهم، وسط ضغوط أميركية هائلة تتزامن مع رسائل حازمة تطالب إيران بتقديم تنازلات نووية وغير نووية جسيمة، وإلّا سيتعرّضون لضربات، لا أحد يعرف متى وكيف تبدأ ولا متى وكيف تنتهي، خصوصًا إذا ما خرج التصعيد عن السيطرة بسبب تداعيات الضربات أو بفعل حسابات خاطئة. تقف طهران أمام امتحان صعب من دون أي قدرة على المناورة أو شراء الوقت، إذ أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمهورية الإسلامية، فترة زمنية لم يحدّدها للردّ على مقترحاته. ولا يبدو أن هذه المهلة مفتوحة، فقد كرّرت واشنطن على لسان ترامب وغيره من المسؤولين مرارًا، أن الوقت ينفد أمام إيران.
جدّد ترامب تأكيده أمس أن أسطولًا ضخمًا من القوات البحرية الأميركية في طريقه إلى إيران، مشيرًا إلى أن هذا الأسطول أكبر من الأسطول الذي أُرسل إلى فنزويلا. وقال: "نأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، إيران تريد إبرام اتفاق، إذا تحقق الاتفاق، فذلك جيّد، وإذا لم نتوصل إليه، فسنرى ما سيحدث، لكن الوضع سيكون مثيرًا"، موضحًا أن إيران هي الوحيدة التي تعرف آخر أجل حدّدته لها للتوصل إلى اتفاق. ورفض الحديث عن خططته العسكرية، لكنه حسم أنه "لدينا أسطول قوي جدًا في المنطقة". وكان ترامب قد حذر سابقًا من أنه يوجد عدد كبير من السفن الضخمة والقوية المتجهة إلى إيران حاليًا، وسيكون من الأفضل ألّا نضطر إلى استخدامها.
وذكرت القيادة المركزية الأميركية أن مقاتلة من طراز "أف آي 18" أقلعت من حاملة الطائرات "لينكولن" في مهمة روتينية في بحر العرب، مشيرة إلى أن المدمرة الصاروخية الموجهة "ديلبرت دي بلاك" تنتشر حاليًا ضمن منطقة عمليات الأسطول الأميركي الخامس، دعمًا للأمن والاستقرار البحريين في منطقة الشرق الأوسط، فيما نقل موقع "واي نت" الإسرائيلي عن الجيش الإسرائيلي تأكيده أن مدمرة أميركية رست في مرفأ إيلات في إسرائيل، وهي إحدى ست مدمرات أميركية موجودة حاليًا في الشرق الأوسط، إلى جانب حاملة طائرات وثلاث سفن حربية أخرى. وأبلغ مسؤولون عسكريون أميركيون كبار قادة أحد الحلفاء الرئيسيين لأميركا في الشرق الأوسط بأن ترامب قد يجيز شن هجوم على إيران خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع، وفق موقع "دروب سايت نيوز". وأُفيد الحليف بأن الضربات قد تبدأ في وقت مبكر من يوم غد الأحد، في حال قرّرت واشنطن المضيّ قدمًا في هذا الاتجاه.
وفي إطار الاتصالات الدبلوماسية الإيرانية الهادفة إلى إبعاد "الكأس المرّة" عن نظام الملالي، بحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال اتصال هاتفي، التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، حسب الرئاسة التركية، التي أفادت بأن أردوغان أبدى استعداد أنقرة للاضطلاع بدور ميسّر بين أميركا وإيران من أجل خفض التوتر والتوصل إلى حلول للخلافات القائمة، في حين أجرى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد محادثات هاتفية مع بزشكيان، أكد بن زايد خلالها حرص الإمارات على دعم كل المساعي والمبادرات الهادفة إلى ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين لمصلحة شعوب المنطقة ودولها.
وادعى بزشكيان خلال الاتصال أن إيران لم ترحّب بالحرب بأي شكل من الأشكال، ولا تعتبرها في مصلحة أي طرف، زاعمًا بأن سياسة بلاده ترتكز على التفاعل والحوار في إطار القانون الدولي، والاحترام المتبادل، وتجنب التهديدات والقوة لحل القضايا، لكنه توعّد بأنه "سيجري الرد فورًا وبحزم على أي عدوان ضد البلاد والشعب الإيراني"، في وقت تلقى فيه وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد اتصالًا هاتفيًا من نظيره الأميركي ماركو روبيو، أكد خلاله بن زايد التزام الإمارات بالعمل مع أميركا، ومختلف الأطراف الإقليمية والدولية، من أجل ترسيخ السلام الدائم والاستقرار في المنطقة، وضمان الحياة الكريمة وفرص التنمية لشعوبها.
توازيًا، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثات في تركيا شملت نظيره هاكان فيدان وأردوغان. وأبدى عراقجي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع فيدان، استعداد طهران للمشاركة في المفاوضات "إذا كانت عادلة ومنصفة"، لكنه أشار إلى عدم وجود أي ترتيبات حاليًا لعقد محادثات مع واشنطن. وأوضح أن "إيران ليست لديها مشكلة مع التفاوض، لكن التفاوض تحت التهديد غير ممكن"، لافتًا إلى أنه "يجب توفير مقدمات لهذه الحوارات، وقد أجريت حديثًا جيدًا مع السيد فيدان في هذا الشأن، وسنواصل المحادثات". وإذ أكد استعداد طهران للتفاوض حول القضايا النووية، حسم أن "القدرات الدفاعية والقوة الصاروخية لن تكون موضع تفاوض أو مساومة". وجزم بأن "إيران مستعدة لكلا السيناريوين، الحرب أو الدبلوماسية، ونحن أكثر استعدادًا مما كنا عليه في حزيران".
وأكد فيدان أن أنقرة نقلت إلى محاوريها في كل فرصة، معارضتها لأي تدخل عسكري ضد إيران، آملًا في حل الشؤون الداخلية الإيرانية سلميًا من قبل الإيرانيين أنفسهم من دون تدخل خارجي. واتهم إسرائيل بأنها تحاول إقناع أميركا بشن هجوم عسكري على إيران، موضحًا أنه تحدّث إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف الخميس، وأنه سيستمرّ في التواصل مع مسؤولين أميركيين في شأن إيران، فيما أعلنت الخارجية الأذربيجانية أن باكو لن تسمح مطلقًا باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها في عمليات عسكرية ضد جارتها إيران، إثر اتصال هاتفي بين عراقجي ونظيره الأذري جيحون بيراموف.
والتقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، والمبعوث ستيف ويتكوف في البيت الأبيض أمس، حيث جرى خلال اللقاء بحث جهود إحلال السلام في المنطقة والعالم، حسب وكالة "واس"، التي ذكرت أن اللقاء حضره رئيس هيئة الأركان العامة السعودية فياض بن حامد الرويلي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين. وعقد بن سلمان لقاء مع السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام.
وردًا على تصنيف دول الاتحاد الأوروبي لـ "الحرس الثوري"، منظمة إرهابية، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الذي التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو أمس، أن بلاده ستعتبر جيوش الدول الأوروبية التي فرضت عقوبات على "الحرس" كيانات إرهابية أيضًا. وتوعّد بأن طهران ستتخذ فورًا إجراءات مضادة، فيما اعتبر الجيش الإيراني أن قرار الاتحاد الأوروبي في شأن "الحرس" اتخذ بهدف إرضاء أميركا وإسرائيل، مؤكدًا وقوفه إلى جانب "الحرس" في "مواجهة الإرهاب وداعميه".
وإلى جانب الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، تواصل واشنطن الضغط بسلاح العقوبات، إذ كشفت الخزانة أنها اتخذت "إجراءات إضافية ضد مسؤولين إيرانيين مسؤولين عن القمع الوحشي الذي يمارسه النظام ضد شعبه"، وهم وزير الداخلية إسكندر مؤمني، وقائد استخبارات "الحرس" مجيد خادمي، وقائد فيلق "سيد الشهداء" التابع لـ "الحرس" في محافظة طهران قربان محمد ولي زاده، وقائد "الحرس" في محافظة همدان حسين زارع كمالي، وقائد "الحرس" في محافظة جيلان حميد دمغاني، وقائد قوى إنفاذ القانون في محافظة كرمانشاه مهدي حاجيان. وصنفت المستثمر الإيراني بابك مرتضى زنجاني بسبب اختلاسه "مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني"، وتقديمه دعمًا ماليًا لـ "مشاريع كبرى" تدعم "الحرس" والنظام، كما صنفت منصّتَي تداول أصول رقمية مرتبطتَين بزنجاني.
وأكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أنه "بدلًا من بناء إيران مزدهرة، اختار النظام تبديد ما تبقى من عائدات النفط الوطنية على تطوير الأسلحة النووية والصواريخ والوكلاء الإرهابيين في أنحاء العالم"، حاسمًا أن ترامب يقف إلى جانب الشعب الإيراني... و "ستواصل الخزانة استهداف الشبكات الإيرانية والنخب الفاسدة التي تُثري نفسها على حساب الشعب". ورأى أنه "مثل الجرذان على متن سفينة تغرق، يحوّل النظام على نحو محموم الأموال المسروقة من العائلات الإيرانية إلى بنوك ومؤسسات مالية حول العالم"، جازمًا بأنه "كونوا على ثقة، ستتخذ الخزانة الإجراءات اللازمة".
وكان لافتًا ما كشفته وكالة "أسوشييتد برس" أن صور أقمار اصطناعية صادرة من شركة "بلانيت لابز بي بي سي" تظهر نشاطًا في موقعين نوويين إيرانيين في أصفهان ونطنز كانا قد تعرّضا للقصف خلال "حرب الأيام الـ 12"، ما قد يشير إلى محاولات من طهران لإخفاء جهود إنقاذ أي مواد متبقية في الموقعين. وأوضحت أن الصور تظهر بناء أسقف فوق مبنيين متضرّرين في منشأتي أصفهان ونطنز. وتُظهر الصور أن نفقين داخل جبل قرب منشأة أصفهان قد جرى ملؤهما بالتراب، في إجراء وقائي ضد الضربات الصاروخية، كانت إيران قد قامت به أيضًا قبيل حرب حزيران، ويبدو أن نفقًا ثالثًا قد أُزيل التراب من داخله، مع بناء مجموعة جديدة من الجدران قرب المدخل بوصفه إجراءً أمنيًا ظاهريًا.
وأشارت "أسوشييتد برس" في تقرير سابق إلى أنه "منذ نهاية الحرب، عملت إيران على إعادة تشكيل برنامجها للصواريخ الباليستية، بما في ذلك إعادة بناء مواقع مرتبطة بهذا البرنامج"، وشمل ذلك أعمالًا في مجمّع عسكري يُعرف باسم "بارتشين"، ويقع في جنوب شرق طهران. وذكر معهد العلوم والأمن الدولي أن إيران باشرت خلال الأسابيع القليلة الماضية إعادة بناء موقع في بارتشين، مشيرًا إلى أن أرشيفًا من البيانات النووية الإيرانية كانت إسرائيل قد استولت عليه سابقًا حدّد الموقع المذكور بوصفه يضم حجرة تفجير ونظام أشعة سينية خاصًا لدراسة اختبارات التفجير. ويمكن استخدام مثل هذه الاختبارات في أبحاث تهدف إلى ضغط نواة من اليورانيوم بواسطة متفجرات، وهو أمر مطلوب لصنع سلاح نووي من نمط الانفجار الداخلي.
وفي ما يتعلّق بالقمع الداخلي، كشفت "منظمة العفو الدولية" أن "آلاف الأشخاص الذين اعتُقلوا تعسّفيًا على خلفية الانتفاضة الوطنية في إيران يواجهون خطر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي، وكذلك محاكمات جائرة على نحو صارخ قد تؤدي إلى فترات سجن طويلة وإلى عقوبة الإعدام"، مشيرة إلى أنه "لا يزال كثيرون منهم في عداد المختفين قسرًا، وتتفاقم المخاوف في شأن محتجزين على صلة بالاحتجاجات، في ظل صدور أوامر من رئيس السلطة القضائية للمدّعين العامين بـ "العمل من دون تساهل"، وفي وقت ساوى فيه مسؤولون كبار بين الاحتجاج وجرائم يُعاقَب عليها بالإعدام".
في الأثناء، التقى السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، المعارضة الإيرانية البارزة المقيمة في أميركا مسيح علي نجاد، موضحًا أن الأخيرة أكدت له أنها "لم تعد تعتقد أن الأمم المتحدة يمكن أن تكون فعّالة بعد سنوات من التقاعس، لكن شهادتها أمام مجلس الأمن الدولي اخترقت رقابة آيات الله، ووصلت إلى الإيرانيين من طهران إلى الأرياف الإيرانية، ما أجبر القادة الأوروبيين على التحرك ودفع العالم إلى مواجهة مجازر النظام بحق الإيرانيين الأبرياء". وحسم أن "هذه هي قوة القيادة الأميركية في الأمم المتحدة في عهد الرئيس ترامب، وسنواصل الضغط من أجل الشعب الإيراني".