تجد المنطقة نفسها مجدّدًا على صفيح ساخن، بعدما صعّدت إيران مواجهتها مع أميركا ودول المنطقة من خلال تحريك ميليشيا الحوثي اليمنية، التي تكثّف هجماتها الإرهابية على السعودية وباتت تسيطر على مضيق باب المندب. ترى إيران مصلحة في التصعيد خلال هذه المرحلة، في محاولة لرفع كلفة المواجهة قبل أقلّ من شهرين من الانتخابات النصفية الأميركية، معوّلة على عدم حماسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعودة إلى العمليات العسكرية الكبرى ضدّها أو الانخراط مباشرة في النزاع مع ذراعها اليمنية. لكن التداعيات السلبية على الاقتصاد العالمي من جرّاء التهديدات الإيرانية للممرّات البحرية واستهداف الحوثيين منشآت الطاقة في السعودية، تدفع ترامب إلى مراجعة موقفه، إذ كشف أمس أنه في "مرحلة اتخاذ القرار" بشأن إيران، متوقعًا حدوث "أمور كبيرة جدًا" في المستقبل القريب.
أوضح ترامب أنه يدرس عددًا من الخيارات، من بينها "محو إيران"، أو "تركها تتعفن اقتصاديًا"، أو التوصّل إلى اتفاق، قائلًا: "سؤالي هو: هل، ومتى، أفجّر الأمة (الإيرانية) بأكملها؟ من الأفضل لهم أن يحسنوا التصرف". لكن رغم تحذير واشنطن مواطنيها في المنطقة من احتمال حدوث تصعيد سريع، والعودة غير المتوقعة لترامب إلى البيت الأبيض السبت، قال الرئيس الأميركي إن هذا الأسبوع لا يختلف عن غيره في الشرق الأوسط، معربًا عن انفتاحه على لقاء نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الذي من المقرّر أن يحضر أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع. ومن المقرّر أن يلتقي ترامب قادة دول الخليج وممثلين عنهم في نيويورك غدًا، قبل أن يستضيف نظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن الخميس. وبعدما استهدف الحوثيون مدينة الرياض السبت، اتهموا السعودية أمس بشنّ 28 غارة جديدة على مناطق عدّة في اليمن، فيما أفاد ترامب بأن بلاده "على تواصل دائم مع الحوثيين، وهم وافقوا على عدم قتال أميركا".
في الغضون، ادّعى "مقرّ خاتم الأنبياء المركزي" أن لديه معلومات تفيد بأن أميركا قرّرت استئناف عملياتها العسكرية ضدّ إيران، بـ "ضوء أخضر" من دول المنطقة، متوعّدًا بـ "هجمات مؤلمة" إذا حصل ذلك. وذكر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده أبلغت واشنطن، عبر وسطاء، شروطها لإعادة فتح مضيق هرمز، متعهّدًا بأنه "ما دامت الشروط لم تُلبَّ... فسيكون من المستحيل العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل المفاوضات وإلى مضيق (هرمز) مفتوح". وحذّر من أن "الرؤية الداخلية التي تتبنى الحرب وترفض الدبلوماسية تدفع البلاد إلى حرب لا تنتهي". وكان رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد أوضح السبت أن الشروط الإيرانية لإعادة فتح هرمز تتمثّل في "إنهاء الحرب في كلّ الجبهات، والإفراج عن أموالنا المجمّدة، وإنهاء الحصار البحري".
وفي ما يتعلّق بجهود الوساطة، أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن الحاجة إلى إطار تُحترم فيه السيادة ولا تشكّل فيه أي دولة تهديدًا لأخرى. وكشفت الخارجية القطرية أنه يجري تبادل أفكار مختلفة بشأن استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران منذ أسبوعين تقريبًا، مشيرة إلى أن وسطاءها يتنقلون حاليًا بين عواصم مختلفة على أمل إحراز تقدّم في هذا المسار. وأفادت بأنها سمعت تأكيدات من مسؤولين في الإدارة الأميركية بأن واشنطن تريد التوصّل إلى اتفاق. وشدّدت على الحاجة إلى حلّ إقليمي يحقق الاستقرار وتفاهم دولي يحمي الممرّات المائية مثل مضيق هرمز، محذّرة من أن إخضاع الممرّات المائية لسيادة دولة بعينها واستخدامها سلاحًا "سابقة خطرة علينا جميعًا". ومن المقرّر أن يتوقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لفترة وجيزة في قطر، قبل أن يتوجّه إلى نيويورك.
إلى ذلك، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف في القاهرة، حيث أكد السيسي دعم مصر الكامل للجهود الرامية إلى التوصّل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة الإيرانية، بما يسهم في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة وضمان حرّية الملاحة الدولية، مشدّدًا على أن بلاده تنظر إلى أميركا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية.