جولي مراد

قرية "سوليداريتي" الميلادية في مار مخايل

العيد في أجمل تجلّياته ومعانيه

19 كانون الأول 2020

02 : 01

كانت بيروت أمس على لقاء مع الفرح والأعياد، على موعد مع الميلاد بأجمل تجلياته فهل أحلى من لقاء مواطنيها جميعاً من مختلف المشارب والانتماءات في مساحة من التآخي، وسط أجواء من الموسيقى والترفيه وبهجة الأعياد؟ مشكورة جمعية Solidarity على مبادرتها الكريمة فالحدث كان فائق التنظيم والسخاء رغم الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمرّ بها البلاد. الكلّ هنا مدعو للاحتفال وخصوصاً من سلب منه الانفجار الابتسامة، ومعدومي الحال والفقراء، تماماً كما هي أساساً رسالة الميلاد: فرح العطاء من دون مقابل. فعلى خلاف معظم المهرجانات من النوع هذا، ليس المرء هنا بحاجةٍ الى البحث في محفظته عمّا يكفي من نقود لشراء الأطايب المتوافرة في مختلف أركان القرية الميلادية. لن يدمع أحد لأنه لا يجد في جيبه ما يكفي من النقود ليشتري ما يشتهيه ولده في لحظة عيد. لن تسلب منه الضائقة الاقتصادية بهجته ورغبته في إدخال الفرح الى قلب أطفاله. لن تُهان كرامة معدم ولن يحسد جائعٌ متخماً محظوظاً بمالٍ وافر. تدخل إلى القرية فيسارعون لمناولتك ورقةً بلوائح تضمّ خياراتٍ لامتناهية من الطعام والمشروبات المجانية الموزّعة على قسائم. تختار منها صنفاً معيناً وتقصد بها الأكشاك المختلفة المزروعة على جوانب القرية، فتستبدل قسائمك فوراً بما لذّ وطاب من دون ان يطالبك أحد ببدلٍ مادي لقاءها. وهي ليست بمأكولاتٍ رديئة النوعية، بل على العكس تماماً، معظمها من أصنافٍ محترمة بات أكثر من نصف أهالي بيروت اليوم غير قادر على ابتياعها. وكان ملحوظاً وجود عددٍ لا يستهان به من المساعدين الذين ارتدوا ثياب الجمعية لتوجيه الناس نحو الاكشاك والنشاطات الترفيهية بابتساماتٍ عريضة وجوّ صارخٍ من الألفة. وملفتاً كان كذلك ذلك الحرص الشديد على النظافة والسلامة الصحية، فعلى باب المدخل شخص يزن حرارتك ويمدك بكمامة في حال لم تملك واحدة أو نسيتها في المنزل، وثمة من يكنس ويلتقاط الاوساخ ويرميها في مستوعب النفايات على مدار الساعة فتكاد لا ترى قشةً على الأرض.



جميلة كانت الأمسية بكلّ تفاصيلها، ببساطتها ورقيها في آن. جميلة لدرجة أن عينيك تغرورقان بدموع الفرح، أنت من منذ الانفجار المشؤوم تشعر أنك بتّ معدوم الاحساس وكأنك اندثرت مع دويّ انفجاري الرابع من آب، فدفنت روحك مع ضحاياها، وفقدت نفسك الى ما دون رجعة. هل استعدت حقاً اليوم بعضاً مما كنتَ عليه قبل الكارثة الكئيبة؟

كان فعلاً مهرجاناً ببراءة بيروت وألوانها الزاهية، فقد اجتمع في مساحة واحدة وأجواء ميلادية بامتياز أطفال وكبار، معدمون وميسورو الحال، ومواطنون كسر قلبهم الانفجار فأتوا طمعاً بما يعيد إلى قلبهم دفء الانسانية.

افتُتحت القرية على وقع الأصوات الملائكية لخرّيجي جامعة الكسليك بحفلٍ غنائيّ مميز وأصوات راقية أدّت أناشيد وتراتيل من وحي المناسبة، وبرامج ترفيهية وغنائية للأطفال بالإضافة إلى ألعاب ومقاطع موسيقية، وشخصيات كرتونية وتصويرٍ مع بابا نويل وشخصيات مختلفة من رموز العيد المجيد. "القرية الميلادية هي هديتنا لأهلنا في بيروت ولبنان، في العيد هذا، وان شاء الله في كلّ عيد. ونكرّر في هذه المناسبة التزامنا مع أهلنا سواء بالمساعدات الإنسانية التي بدأناها منذ مطلع العام 2020 مروراً بترميم المنازل المتضررة التي وصل عددها الى 1000 وحدة سكنية"، علّق شارل الحاج القيّم على جمعية سوليداريتي معرباً عن شكره وامتنانه لكل من آمن بمهمّة الجمعية ورسالتها، وخاصة مؤسسة جيلبير وروز ماري شاغوري والرهبنة اللبنانية المارونية والمؤسسة المارونية للانتشار وشخصيات عدّة والإعلام، وكلّ من يستمرّ بدعمها لتقوم بدورها بنشر رسالة التضامن لأنه لم يعد خياراً بل هو واجب على كل اللبنانيين المقيمين والمنتشرين.



رسالة "سوليداريتي" إذاً واضحة الى أبناء بيروت وكلّ لبنان: "الاستسلام ممنوع ولن يمرّ عيد الميلاد من دون رسم ضحكة على وجوه من حرموا منها وفي طليعتهم الأطفال".

لـ"سوليدارتي" نقول إذاً: "أردتموها رسالة أمل ورجاء وتعبيراً مدوياً بأنّ بيروت لا تموت وبأنّ شعبها كما في كلّ ملمّة سيولد هذه المرّة أيضاً من رحم الأحزان... لقد أعدتم بمبادرتكم النبض الى أوصال بيروت وشعبها المكلوم... فهل من رسالة أنبل من هذه وهل من شكرٍ يفيكم حقّكم؟"

• يستمرّ مهرجان القرية الميلادية لغاية 23 كانون الأول

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.