جويل غسطين

"نجوم الأمل" في الصالات اللبنانية... المخرج سيريل عريس: فيلمي لا يرثي الواقع بل يواجهه بكرامة

6 دقائق للقراءة

في مدينة تتأرجح بين الضوء والظلال، بين الضحكة والخذلان، وبين حبّ لا يموت ووجعٍ لا يهدأ، يأتي فيلم "نجوم الأمل" للمخرج سيريل عريس كرسالة سينمائية نابضة بالحياة. ليس الفيلم مجرّد حكاية حب، بل مرآة لروح بيروت وقلوب أبنائها التي تعلّمت أن تحلم حتى في أحلك الظروف. يروي الفيلم قصة "نينو" و "ياسمينا" اللذَين تجمعهما علاقة تمتد عبر الزمن، وتكبر مع الأزمات والتحوّلات، كما يكبر اللبناني مع بلده. وبين التفاؤل الذي يُصرّ على النجاة، والواقعية التي تواجه الانكسار، تنسج الحكاية عالمًا إنسانيًا صادقًا، حيث يصبح الحبّ فعل مقاومة، والضحك وسيلة للبقاء. وبعد جولة عروض في المهرجانات السينمائية العالمية، بدأت عروض الفيلم أمام الجمهور اللبناني في الصالات المحليّة منذ 29 كانون الثاني الماضي، تعبيرًا عن إيمان مخرجه بأنّ الأمل، مهما خفت، يبقى مكتوبًا في النجوم.

عنوان الفيلم "نجوم الأمل" يحمل معاني عميقة مشبعة بالرمزية، يختصر في تناقضه جوهر الحكاية، تمامًا كالعلاقة التي ينسجها العمل بين حبّ استثنائي وواقع لبنان المثقل بالتحدّيات. هذا التناقض، كما يراه المخرج سيريل عريس، ليس مجرّد خيار جمالي، بل انعكاس لعلاقته المعقدة بلبنان، حيث يمتزج الأمل العارم باليأس العميق، ويتجسّد ذلك بوضوح في شخصيَّتَي بطلَيْ الفيلم "نينو" (حسن عقيل) و "ياسمينا" (مونيا عقل): "نينو" المتفائل الذي يرى في فوضى بيروت سحرًا قابلًا للحياة، و "ياسمينا" الواقعية البراغماتية التي تنظر إلى المستقبل بحذر وتشاؤم. وبين هذَين النقيضَين، يعيش اللبنانيون يوميّاتهم، متنقلين بين الأمل والانكسار بحسب اللحظة والظرف.

انطلاقًا ممّا سبق جاء اختيار عريس لعنوان عربي مختلف عن الترجمة الحرفيّة لعنوان الفيلم بالإنكليزيّة "A Sad and Beautiful World"، إذ فضل عريس "نجوم الأمل" لما تحمله العربية من طاقة شعرية، ولما يضيفه العنوان من بُعد رمزي ينسجم مع فكرة أن قصة البطلَين "مكتوبة في النجوم"، فتتحوّل الحكاية إلى نشيد بصري عن حبّ يحاول أن يضيء العتمة، ولو بنجوم بعيدة.


رسائل مشتركة

على الرغم من انغماس أحداث الفيلم في بيئة لبنانية شديدة الخصوصية، نجحت قصّته في ملامسة وجدان جمهور عالمي واسع، متجاوزةً حدود المكان واللغة. فبحسب ما يقول المخرج سيريل عريس لـ "نداء الوطن": "يكمن سرّ هذا التفاعل في تركيز العمل على المشاعر الإنسانية الأساسية: الحب، الألم، الأمل، والتطلّعات التي يشترك فيها البشر على اختلاف ثقافاتهم وتجاربهم. هذه المشاعر، ببساطتها وعمقها، قادرة على خلق صلة مباشرة بين الفيلم ومشاهديه أينما كانوا، لأنها تنبع من تجارب إنسانية متقاربة لا تعترف بالجغرافيا".

ويؤكّد عريس أن السينما تشكّل جسرًا حيًّا للتواصل بين الثقافات، تتيح للآخر أن يرى نفسه في حكاية مختلفة عنه شكليًا، لكنها قريبة منه وجدانيًا. كما يشير إلى أن الجمهور العالمي بات أكثر رغبة في الاستماع إلى قصص العرب كما يروونها بأنفسهم، بصدقها وتعقيدها الإنساني، بعيدًا عن الصور النمطية والتمثيلات المُفلترة التي غالبًا ما تفرضها العدسة الإعلامية.


العرض في لبنان

وبعد رحلة طويلة في المهرجانات الدولية، عاد الفيلم أخيرًا إلى المكان الذي وُلدت فيه حكايته، ليُعرض في صالات السينما اللبنانية أمام جمهوره الأوّل والطبيعي، حيث أصرّ المخرج سيريل عريس وفريق الفيلم على أن يكون الجمهور اللبناني أوّل من يشاهد الفيلم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن هذا العمل ينتمي إلى تجربتهم الجماعية وذاكرتهم المشتركة قبل أن يكون موجّهًا إلى أي جمهور آخر. هكذا، فالعرض المحليّ لم يكن مجرّد محطة عادية في مسار الفيلم، بل لحظة اعتراف وانتماء، حيث التقت القصة بأصحابها، وواجهت واقعًا يشبهها ويشبههم.

وهنا يتوجّه المخرج الشاب إلى اللبنانيّين قائلًا: "هذا الفيلم صُنع من أجلكم ومنكم. هو فيلم عن الحب الذي نحاول حمايته، وعن العلاقات التي نتمسّك بها، وعن قدرتنا الدائمة على الضحك رغم كل شيء".

في المقابل، يستعد الفيلم لمواصلة رحلته عالميًا، مع عروض مقرّرة في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى أميركا الشمالية والجنوبية وشرق آسيا، حاملًا معه حكاية محلية بنبرة إنسانية قادرة على العبور إلى شاشات وثقافات متعددة.


جماهير مختلفة

"التفاعل مع الفيلم لم يختلف جذريًا بين الجمهور اللبناني والجمهور العالمي" يقول عريس، "إذ جاءت القراءات متقاربة في جوهرها، قائمة على الإحساس نفسه والاقتراب الوجداني من الشخصيات وحكايتها. حتى اللبنانيون المغتربون الذين شاهدوا الفيلم ضمن المهرجانات الدولية شعروا بأنه يعبّر عنهم بصدق، ويجسّد جانبًا حقيقيًا من حياتهم، ولا سيّما في طريقة الضحك بمواجهة الصعوبات والتعايش مع القسوة اليومية". فالفيلم، كما يؤكّد عريس، يحمل روح بيروت بنبضها وتناقضاتها، ما يجعله مفهومًا ومؤثرًا لدى الجميع، بصرف النظر عن الخلفيّة الثقافيّة. غير أن الفارق البسيط يبقى في بعض تفاصيل الكوميديا المحلية التي يلتقطها الجمهور اللبناني بشكل أعمق وأكثر عفوية، كونها تنبع من سياق يومي مألوف لا تُنقل بالكامل عبر الترجمة إلى الجمهور غير اللبنانيّ، لكن من دون أن يؤثر ذلك في بلوغ المعنى العام أو المشاعر الأساسية إلى الجمهور العالمي.


الحبّ والكرامة بدل الضحيّة

في سياقٍ آخر، يؤكّد عريس أن فيلمه يتعمّد الابتعاد عن صورة اللبناني كضحيّة للظروف، رافضًا اختزال التجربة الإنسانية في الألم وحده، ومفضلًا تقديم شخصيات تمتلك القدرة على الحبّ والمقاومة والاستمرار، رغم التكرار القاسي للأزمات والتجارب. شريطه السينمائي لا يرثي الواقع بقدر ما يواجهه بكرامة، ويقدّم حكاية ثنائي يتشكّل وعيه وعلاقته تحت ضغط الأحداث المحيطة، من دون أن يفقدا إنسانيتهما أو رغبتهما في الحياة. إنها قصة تحتفي بالحبّ كفعل بقاء، وبالعاطفة كقوّة قادرة على خلق معنى وسط العبء، وتؤكّد أن التمسّك بالكرامة والقدرة على الفرح، ولو في لحظاته البسيطة، هو بحدّ ذاته شكل من أشكال المقاومة.


جوائز ومسار

الجوائز العالمية التي حصدها فيلم "نجوم الأمل" حتى الآن، شكّلت محطّات مفصلية في مسيرته، مؤكّدة حضوره الفني والإنساني على الساحة العالمية. فإلى نيله "جائزة الجمهور" في "مهرجان البندقية"، حاز الفيلم "جائزة أفضل سيناريو" في "مهرجان البحر الأحمر"، مسلّطًا الضوء على قدرته في ملامسة وجدان المشاهدين، ومكرّسًا حضور السينما اللبنانية في محافل دولية مرموقة.

هذا المسار توِّج باختيار الفيلم لتمثيل لبنان في سباق "جائزة أفضل فيلم عالمي غير ناطق بالإنكليزية" ضمن الدّورة 98 من "جوائز الأوسكار"، وهي خطوة بالغة الأهمية على المستويَين السينمائيّ والفنيّ، مهما بلغت حدّة المنافسة ومهما كانت النتائج النهائيّة ليلة الحفل. فبالنسبة إلى سيريل عريس، لا تشكّل الجائزة نهاية الطريق، بل دافعًا للاستمرار، مؤكّدًا انفتاحه على مشاريع مستقبلية متنوّعة، بعيدًا من التقيد بنوع سينمائيّ واحد، وواضعًا في صدارة أولوياته الصدق والنبض الإنساني كمعيار أساسي في كل عمل يقدّمه.



ملصق الفيلم