شربل صفير

من جلسة علاج إلى حياة متغيّرة

خطأ طبي يلاحق "رامي" منذ 20 عامًا ولمدى الحياة

6 دقائق للقراءة

يخفق قلب الأم بسرعة بينما تتحرك أجهزة التنفس أمام عينيها، ولحظة واحدة تغيّر حياة طفل إلى الأبد، لتتضح الحقيقة القاسية: في لبنان، لا يأتي الخطر دائمًا من المرض نفسه، بل أحيانًا من المكان المفترض أن يكون الملاذ الآمن.

المستشفى، الذي يُفترض أن يحمي الحياة، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بين الرعاية والإهمال. عائلات تدفع أثمانًا لا تُحتمل لأخطاء يمكن تجنبها، وأطفال يجدون أنفسهم أسرى ضعف الأنظمة الصحية، والقرارات العشوائية، ونقص الرقابة. في قلب هذه الأزمة تبدأ قصص الألم التي لا تُنسى، قصص لا تنتهي عند خروج المريض من المستشفى، بل تمتد لعقود.


من خطأ في الطفولة… إلى معركة عمرها عشرون عامًا

أحد أبرز هذه القصص هي قصة رامي (اسم مستعار)، شاب لبناني يبلغ اليوم 23 عامًا. لكن معركته مع الخطأ الطبي لم تبدأ في شبابه، بل عندما كان طفلًا في سن الثالثة.

في مطلع الألفية، دخل رامي إلى أحد المستشفيات الخاصة للعلاج من التهاب رئوي وُصف آنذاك بالبسيط. طمأن الأطباء الأهل إلى أن الحالة لا تستدعي القلق، وأن الطفل يحتاج فقط إلى جلسة قصيرة من دعم التنفس الاصطناعي قبل أن يعود إلى منزله.

لكن ما كان يُفترض أن يكون إجراءً روتينيًا تحوّل إلى لحظة مفصلية. خطأ في إعداد جهاز التنفس، ترافق مع نقص في المراقبة الدقيقة للمؤشرات الحيوية، أدى إلى إصابة دماغية عصبية دائمة. خرج رامي من المستشفى حيًا، لكنه خرج بقدرات جسدية مختلفة، وبمستقبل تغيّر إلى الأبد.

اليوم، بعد أكثر من عشرين عامًا، لا يزال أثر تلك اللحظة حاضرًا في تفاصيل حياة رامي اليومية. يعاني من محدودية حركية تفرض عليه رعاية مستمرة، وتحديات اجتماعية ونفسية رافقته منذ الطفولة وحتى شبابه. لم يكن الخطأ حادثًا عابرًا، بل نقطة تحوّل رسمت مسار حياة كاملة.

في حديث خاص لـ "نداء الوطن"، يستعيد والد رامي تلك اللحظة التي غيّرت حياة العائلة بأكملها، قائلاً: "كبر ابني، لكن الخطأ كبر معه. لم يكن حادثًا وانتهى، بل أصبح جزءًا من كل يوم نعيشه. خرجنا من المستشفى بطفل مختلف، وبأسئلة لم يجبنا عنها أحد. لم تُشرح لنا المخاطر، ولم نفهم ما حصل إلا بعد فوات الأوان".

ويضيف: "في البداية قيل لنا إن ما جرى مجرد مضاعفات، ثم اكتشفنا لاحقًا أن ما حدث كان خطأً يمكن تفاديه لو وُجدت مراقبة دقيقة وتواصل واضح. أكثر ما يؤلم ليس فقط الإعاقة، بل الشعور بأن أحدًا لم يتحمّل المسؤولية".

وعن أثر ذلك على حياة رامي اليوم، يقول: "رامي اليوم شاب في الثالثة والعشرين من عمره. يحاول أن يعيش حياة طبيعية قدر الإمكان، لكن كل تفصيل في يومه يذكّرنا بتلك اللحظة. العلاج لم ينتهِ، والقلق لم ينتهِ، ونحن كعائلة لا نزال ندفع الثمن نفسيًا واجتماعيًا وماديًا، بعد أكثر من عشرين عامًا".


أذى يمكن تفاديه… بأرقام صادمة

قصة رامي ليست حالة فردية. وفق منظمة الصحة العالمية، يتعرض مريض واحد من كل عشرة مرضى حول العالم لأذى أثناء تلقي الرعاية الصحية، ويُعتبر نحو نصف هذه الأضرار قابلًا للتجنب لو توفرت أنظمة سلامة فعّالة. في الدول ذات الأنظمة الصحية الهشة، تتفاقم المخاطر مع ضعف الرقابة وغياب الإبلاغ المنهجي.

في لبنان، تظهر هذه الهشاشة بوضوح، خصوصًا في أقسام الأطفال، حيث تكون الأخطاء أكثر تأثيرًا، ليس فقط لأنها تصيب أجسادًا صغيرة، بل لأنها ترسم مستقبلًا كاملًا.


ثقافة الصمت بدل ثقافة السلامة

رغم خطورة الأخطاء الطبية، يبقى الإبلاغ عنها محدودًا. الخوف من العقوبات المهنية والمساءلة الفردية يدفع كثيرين إلى الصمت، ما يحوّل نظام السلامة إلى نظام دفاعي لا تعلّمي. لا يوجد في لبنان سجل وطني للأخطاء الطبية، ولا آليات إلزامية لتحليلها، ما يجعل حجم المشكلة الحقيقي غير مرئي، ويُبقي المرضى عرضة لتكرار الأخطاء ذاتها.


لبنان والعالم: فجوة في المقاربة

في دول مثل السويد وكندا، تُسجَّل الأخطاء الطبية ضمن أنظمة وطنية إلزامية تهدف إلى التعلم والتحسين، لا العقاب فقط. تُحلَّل الحوادث، وتُحدَّث البروتوكولات، وتُستخدم الأخطاء كأداة وقاية للمستقبل.

أما في لبنان، فغياب السجلات الوطنية، وعدم الالتزام بالإبلاغ، يجعلان الخطأ الطبي حدثًا معزولًا يُطوى مع الوقت، بدل أن يكون جرس إنذار يمنع تكراره.


رحلة طويلة نحو العدالة

حتى عندما تقع الأخطاء الطبية المروّعة، يكون الوصول إلى عدالة حقيقية غالبًا رحلة طويلة ومعقدة، محفوفة بالعقبات القانونية والإدارية. قضية الطفلة اللبنانية إيلا طنوس مثال صارخ على هذا الواقع: الطفلة فقدت أطرافها الأربعة إثر خطأ طبي أثناء إجراء جراحي بسيط، وكانت العائلة مضطرة لمواجهة مستشفى كبير ونظام قضائي معقد يفتقر إلى آليات محاسبة واضحة.

صدر حكم قضائي في النهاية بتعويض الأضرار المالية بمبالغ ضخمة، لكنه كشف عن هشاشة النظام القضائي في التعامل مع الأخطاء الطبية. لا توجد آليات مؤسسية واضحة لمساءلة الخطأ الطبي، ولا توجد لوائح وطنية تلزم المستشفيات بالإفصاح عن الحوادث أو متابعة إجراءات السلامة بشكل رسمي. في كثير من الحالات، تستغرق القضايا سنوات قبل أن تصل إلى حكم، ما يجعل الأسر تعيش في حالة إحباط نفسي وعبء مالي مستمر قبل أن ترى أي أثر للعدالة.

يشير خبراء قانونيون  إلى أن المشكلة ليست فقط في ضعف القوانين، بل أيضًا في غياب الثقافة القضائية المتخصصة في الأخطاء الطبية، حيث غالبًا ما تُعامل هذه القضايا كأضرار عامة دون التركيز على مسؤولية الطاقم الطبي، أو على تحسين الأنظمة لتفادي تكرار الحوادث. هذا الواقع يترك المرضى والأهالي في موقف ضعيف، بينما تبقى الأخطاء الطبية جزءًا من الواقع الصحي اليومي بلا رادع حقيقي.


رامي اليوم… والسؤال الذي لا يسقط

رامي اليوم شاب في الثالثة والعشرين من عمره. لم يختر معركته، ولم يرتكب خطأه. خطأ واحد، وقع عندما كان طفلًا، رسم حدود جسده ومستقبله، ورافقه حتى شبابه.

عندما يفقد طفل جزءًا من حياته بسبب خطأ يمكن تجنبه، لا يكون السؤال فقط من أخطأ، بل لماذا سمح النظام بحدوث الخطأ أصلًا؟

في بلد تتداخل فيه الأزمات الصحية والاقتصادية والقانونية، يبقى الثمن الأكبر دائمًا على من لا صوت لهم: الأطفال الذين يكبرون وهم يحملون أخطاء لم يرتكبوها، وعائلات تعيش عمرًا كاملًا في ظل لحظة كان يمكن تفاديها.