يحمل الاتفاق المبرم حديثًا بين سلطات دمشق و "قسد"، والذي أعقب اشتباكات عسكريّة عنيفة بين الطرفين في شمال شرق البلاد، في طياته دلالات كثيرة، لكنه يفتح في الوقت عينه الباب على أسئلة وجودية، تبدأ بشكل الدولة ولا تنتهي بطبيعة الحكم، من دون أن يعطي إجابات وافية لها، تشفي من جهة غليل الكرد وتقنعهم بالتخلّي عن نزعتهم الانفصالية، وتطمئن من جهة ثانية الإدارة السورية الموَقتة، المتعطّشة لتوسيع هامش قبضتها العسكرية والسياسية على أكبر قدر ممكن من الجغرافيا السورية المترامية الأطراف.
من نافل القول إن الاتفاق المعلن بين الخصمين وضع حدًّا ولو مبدئيًا لجولة قتال كانت تنذر بعواقب وخيمة بينهما، إلّا أنه نقل حلبة الكباش من الميدان الساخن إلى دهاليز السياسة. فمخرجات الاتفاق نصّت أوّلًا على إسكات صوت المدافع، وأذنت لسلطات دمشق الدخول إلى المؤسّسات الرسميّة في شمال شرق البلاد، ما أوحى بأن ملف السيطرة على الميدان حُسم، لكن ما لم يحسَم بعد هو سبل إدارة المرحلة التالية، خصوصًا أن طبيعة العلاقة بين الدولة المركزية ومكوّناتها، تلفها ضبابية شديدة.
يصف المراقبون الاتفاق بأنه تسوية عسكريّة محسوبة، فرضتها موازين القوى والاعتبارات الداخلية، كما التقاطعات الإقليمية والدولية، في ظرف إقليمي يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
من منظور دمشق، يُعتبر الاتفاق وثبة سياديّة على طريق توحيد الأراضي السورية، بعد سنوات من حرب وحشية طاحنة، مزقت الدولة المركزية وحوّلتها إلى دويلات، وهو يتيح للرئيس أحمد الشرع استعادة القرار المركزي، بعدما نجح في إظهار مرونة مدروسة لامتصاص حساسيّات الميدان. وهنا، يخاطب الشرع من خلال اتفاقه مع الكرد، الداخل والخارج في آن. في الداخل، يرسل رسائل أمنية وسياسية في أكثر من اتجاه إلى المكوّنات السورية الخارجة عن كنف الدولة المركزية، خصوصًا في السويداء، التي أضحت تغرّد خارج سرب الدولة السورية، وتطمح أن تدور في الفلك الإسرائيلي. أمّا بالنسبة إلى الخارج، فقد نجح الرئيس السوري في إمساك أوراق قوّة في يده، تساهم في تعزيز موقفه التفاوضي العسير مع الدولة العبرية، بحيث يبدو رئيسًا على أجزاء أوسع من سوريا، وليس فقط رئيسًا على بعض الأراضي السورية.
من منظور الكرد، يُعتبر الاتفاق نهاية مبدئية لعسكرة القضية الكردية في سوريا، لكن ليس نهاية للقضية السياسية الأشمل. فوقف القتال يعني وضع حدّ لاستنزاف البيئة الكردية، ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نتائجها وخيمة ووجودية على كرد سوريا. لكن ذلك لا يعني أبدًا الاستسلام السياسي، بل على العكس، يُعدّ الاتفاق من منظور الكرد بداية لمسيرة تفاوضية شاقة، ولرحلة طويلة من النضال السياسي، هدفها معالجة صحة التمثيل، وإدارة التنوّع في البلاد، على أسس ندّية صلبة، بعيدًا من أي تمييز بحقهم.
وإذا كانت النظرة إلى الاتفاق تختلف بين دمشق و "قسد"، فإن التباين بانَ كذلك جليًّا في الجدل الذي يرافق تفاصيله، حيث "تكمن الشياطين"، خصوصًا في قضية دمج "قسد" في جسم الجيش السوري. وهنا يفتقر الاتفاق إلى وجود وثيقة رسميّة واضحة تحدّد أطر هذا الدمج وطبيعته، وبالتالي يظهر الاختلاف الشديد في تفسير حدود دمج قوة عسكرية تُعدّ عاتية ومنظمة وكانت معززة بدعم واشنطن، وتمكّنت على مدى سنوات من مقارعة تنظيم "داعش" الإرهابي وقهره، رغم أن الاتفاق لحظ تحوّلًا يُعدّ جذريًا مقارنة بالاتفاقات السابقة التي لم تعش طويلًا، وتمثل في موافقة دمشق، وإن على مضض، على دمج جماعي ولكن جزئيّ، وضمن مجموعات محدّدة، وهو أمر يبقى محكومًا لا محالة بسقف الدولة السورية المركزية.
وهنا يمكن الاستنتاج بأن الإدارة السورية قدّمت تنازلًا محسوبًا بدقة عالية، يرمي إلى كبح جماح الاستنزاف في الميدان، في حين تعتبر "قسد" أن تراجع دمشق خطوة إلى الوراء هو بمثابة ضمانة ظرفية تبعد شبح التفكيك الكامل لـ "قسد"، إلى حين جلاء رؤية الأفق السياسي.
في المحصّلة، ثبت أن اتفاق دمشق - "قسد" يتأرجح بين المكاسب الظرفية والهواجس المستقبلية. ويبقى لقابل الأيام أن تظهر قابليته للعيش، وإمكان التعايش على المدى البعيد بين خصمين لدودين يرتابان من بعضهما بعضًا. ففيما تتوجّس دمشق من أن يفتح أي نقاش سياسي شهيّة الكرد على طرح مطالب تتجاوز "خطوط الدولة السيادية"، تتخوّف "قسد" من أن ينتهي أمر الاتفاق العسكري باستيعاب أمني مُحكَم من جانب الدولة المركزية، بعيدًا من أي شراكة سياسية عادلة، بذل من أجلها الكرد على مرّ التاريخ الغالي والنفيس.