الدكتور سايد حرقص

ماذا يبقى من النظام الإيراني إذا وافقت طهران على شروط ترامب الخمسة؟

3 دقائق للقراءة

بعد أن أعلنت إدارة ترامب هذا الأسبوع ما يُعرف إعلاميًا بـ«الشروط الخمسة لإيران»، تواجه طهران مفترقًا تاريخيًا حقيقيًا. فهذه الشروط لا تشكّل مجرد مطالب تفاوضية، بل اختبارًا وجوديًا للنظام نفسه: لقدراته النووية، وبرنامجه الصاروخي، ونفوذه الإقليمي، وسرديته الثورية التي شكّلت هويته على مدى أكثر من أربعة عقود.

وبحسب مصادر صحفية، تشمل الشروط الخمسة:

- تسليم نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب.

- تفكيك البرنامج النووي بالكامل.

- تفكيك الصواريخ الباليستية الإيرانية.

- وقف البرنامج الصاروخي بشكل كامل.

- إنهاء دعم إيران للأطراف والوكلاء في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

باختصار، هذه الشروط تستهدف جوهر النظام ومصدر قوته الرمزية والعملية. فالنظام الإيراني بنى شرعيته على سرديتين متوازيتين: مقاومة «الاستكبار العالمي» وتصدير الثورة. والقبول بهذه الشروط يعني عمليًا تفكيك هذه الرواية. إذ إن قدرة النظام على البقاء كانت دائمًا مرتبطة بخطابه الثوري وتصوير نفسه كخصم قوي للشيطان الأكبر، وفقدان هذه الرمزية يترك السلطة عارية أمام الداخل والخارج.

تنفيذ الشروط الأميركية سيحوّل إيران من لاعب إقليمي فاعل إلى دولة ملتزمة بالقواعد الدولية، دولة تبحث عن حماية اقتصادها وتفقد كثيرًا من امتيازها الرمزي. التحول هنا ليس تكتيكيًا بل وجوديًا: فالنظام لن يكون مجرد نسخة معدلة من نفسه، بل كيانًا مختلفًا، أقل قوة، وأكثر هشاشة أمام التحديات الداخلية. وستتصاعد التساؤلات داخل إيران: إذا كان بالإمكان التنازل عن كل هذه القدرات، فلماذا دفع الشعب ثمنًا باهظًا من الفقر والعزلة؟

الرضوخ للشروط لن يُقرأ كحكمة سياسية، بل كاعتراف بفشل استراتيجي طويل الأمد. الضغط الداخلي سيصبح أكثر صخبًا من أي تهديد خارجي، وقد يؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية غير مسبوقة.

نفوذ النظام الإقليمي لم يكن نابعًا من قوته الذاتية فقط، بل من وظيفته في إدارة الفوضى الإقليمية. والشروط الخمسة تعني نهاية هذه الوظيفة: إيران لن تعد قوة يمكنها توسيع نفوذها أو تحدي خصومها، بل ستتحول إلى دولة تتبع قواعد النظام الدولي وتراعي مصالحها الاقتصادية، على حساب قدرتها الرمزية والعسكرية.

القبول بالشروط الأميركية ليس مجرد تنازل سياسي، بل مراجعة قسرية لهوية النظام الإيراني ووجوده كقوة ثورية. السؤال لن يكون «هل انتصرت الدبلوماسية؟» بل «هل يمكن لنظام بُني على الصدام والثورة أن يعيش خاضعا لمن كان يصفه بالشيطان الأكبر؟». التاريخ يشير إلى أن الأنظمة التي تتخلى عن مبادئها العقائدية تبدأ بالتحول الجذري. إيران أمام اختبار ليس فقط لمهاراتها الدبلوماسية، بل لبقاء نموذجها السياسي والاجتماعي الذي صاغته الثورة منذ عام 1979.