بشارة جرجس

إيران بعد الخوف: لماذا لم تعد الضربة الأميركية توحّد الداخل؟

4 دقائق للقراءة

في كثير من النقاشات السياسية الدائرة اليوم، لا يزال بعضهم يتمسّك بنظرية مبسّطة تقول إن أي ضربة أميركية لإيران ستؤدي تلقائيًا إلى توحيد الشعب خلف النظام، تحت راية الوطنية والتصدّي للعدوان الخارجي.

غير أن القراءات التي بين أيدينا تنسف هذه الفرضية من أساسها، وتقدّم، من داخل النظام نفسه، أدلّة واضحة على أنّ الواقع الإيراني بات يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

نحن لا أمام دولة متماسكة تستفيد من الأزمات لتقوية شرعيتها، بل أمام نظام تتآكل سلطته من الداخل، ويعيش حالة قلق وجودي حقيقي.

أولاً: عندما يعترف النظام بانهيار سلاح الخوف

أخطر ما تكشفه التقارير الغربية هو اعتراف قادة في النظام، في جلسات مغلقة مع المرشد، بأن الخوف الذي شكّل لعقود أداة السيطرة الأساسية لم يعد كافياً لضبط المجتمع.

حين يقول مسؤولون كبار إن الغضب الشعبي بلغ مستوى لم تعد معه أدوات القمع تضمن الطاعة، فهذا يعني أن الشرخ في العلاقة بين الدولة والمجتمع قد أصبح بنيوياً، لا ظرفياً.

وحين يعترفون بأن الناس مستعدون لمواجهة القوى الأمنية مجدداً، فهم يقرّون عملياً بأن الولاء قد تكسّر، وأن الرهبة لم تعد صمّام أمان.

في علم السياسة، هذه لحظة بالغة الخطورة: عندما يتراجع منسوب الخوف، تفقد الأنظمة السلطوية ركيزتها الأساسية.

ثانياً: القمع الذي كسر الردع بدل أن يعزّزه

حملة القمع الأخيرة في كانون الثاني، والتي وُصفت بأنها الأعنف منذ عام 1979، لم تُعد النظام إلى موقع السيطرة، بل دمّرت ما تبقّى من هيبته.

مسؤولون سابقون يقولون بوضوح: جدار الخوف انهار.

هذه العبارة ليست توصيفاً إعلامياً، بل تشخيصاً سياسياً دقيقاً. عندما تنهار معادلة الخوف، يتغيّر سلوك المجتمع جذرياً: لم يعد الناس يحسبون الخسائر كما يريدها النظام، بل كما تفرضها كرامتهم وغضبهم. وعندها، تصبح الصدمات الخارجية عامل تفجير، لا عامل تماسك.

ثالثاً: الخوف الحقيقي داخل السلطة

اللافت أن التحذير من تداعيات أي ضربة أميركية لا يأتي من المعارضة، بل من داخل النظام نفسه.

مسؤولون يحذّرون من أن أي ضربة محدودة قد تُشجّع المحتجّين وتُحدث ضرراً لا يمكن إصلاحه. هذه ليست لغة تعبئة، بل لغة قلق وجودي.

النظام يدرك أن الضغط العسكري لن يُنتج وحدة وطنية، بل سيتفاعل مع الغضب الداخلي ليحوّله إلى مواجهة مفتوحة.

بكلمات أخرى: النار موجودة تحت الرماد، وأي شرارة خارجية قد تشعلها.

رابعاً: اختلاف الزمن… وانهيار الشرعية

في السابق، لم تؤدِّ الضربات الأميركية أو الإسرائيلية إلى احتجاجات واسعة، أما اليوم، فالوضع تغيّر.

لماذا؟

لأن شرعية النظام تآكلت بفعل:

• القتل المنهجي

• الفساد البنيوي

• الفقر المتزايد

• الفجوة الطبقية

• انسداد الأفق السياسي

عندما تنهار المصداقية، لا يعود الخطاب القومي كافياً لتعويضها. الوطنية لا تنجح في تغطية نظام فقد ثقة شعبه.

وحين يغيب الحد الأدنى من الثقة، تتحوّل التهديدات الخارجية إلى مرآة للضعف، لا إلى أداة تعبئة.

خامساً: من الإصلاح إلى نزع الشرعية

تصريحات شخصيات مثل مير حسين موسوي تعبّر عن تحوّل نوعي في طبيعة المعارضة.

قوله إن اللعبة انتهت ليس احتجاجاً إصلاحياً، بل إعلان قطيعة سياسية.

نحن لم نعد أمام مطالب تحسين، بل أمام رفض للنظام ككل.

هذا انتقال من منطق التذمّر إلى منطق نزع الشرعية.

وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة.

سادساً: صوت الناس… ميزان المشاعر تغيّر

ربما أكثر ما يلخّص المشهد هو شهادة الأب الذي فقد ابنه.

هذا الرجل لا يتحدّث عن الدفاع عن الوطن، ولا عن مواجهة أميركا. بل تحدّث عن الانتقام من النظام.

هنا يكمن التحوّل العميق:

الغضب بات أقوى من الوطنية.

المرارة أقوى من الشعارات.

الوجع أقوى من أي خطاب تعبوي.

لقد تغيّر مركز الثقل العاطفي في المجتمع الإيراني.

ما تقدّمه هذه القراءة هو تفكيك شامل لأسطورة الالتفاف حول العلم في الحالة الإيرانية. هذه النظرية قد تنجح في دول متماسكة، ذات مؤسسات فاعلة، وشرعية متبقّية، لكنها لا تنجح في أنظمة تقوم أساساً على القمع والخوف.

في إيران اليوم:

• الضربة لن ترمّم الشروخ

• لن توحّد الصفوف

• لن تعيد الولاء

• لن تقوّي الدولة

بل ستُسرّع الانفجار. ستوسّع الصدع. ستضع النظام أمام امتحان البقاء.

لماذا يخاف النظام؟

لأن القيادة تعرف كل ما سبق. تعرف أن المجتمع تغيّر، وأن الخوف تراجع، وأن الشرعية تآكلت، وأن الغضب تراكم.

وتعرف أن أي مواجهة خارجية لن تكون درعاً، بل كاشفاً.

كاشفاً لهشاشتها. لهذا السبب تحديداً، هي خائفة. ليس من الضربة بحدّ ذاتها، بل مما قد تطلقه في الداخل.

من لحظة لا يمكن بعدها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.