مع اقتراب ذكرى الحرب الروسيّة - الأوكرانيّة، يطفو على السّطح سؤال أخلاقيّ ثقيل يُخيّم على المشهد السّينمائي الأوروبي، وتحديدًا الفرنسي: كيف يُمكن لصناعة تدّعي الدّفاع عن القيَم الإنسانيّة والحريّة الفنيّة أن تواصل بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، ضخ الأموال في اقتصاد دولة تخوض حربًا مُدمِّرة؟فما نقرأه من خلافاتٍ سياسيّة على السّطح بين روسيّا وفرنسا، يختلف تمامًا عمَّا هو في العمق من أرباحٍ ماليّةٍ مشتركة. أهكذا، وبكل بساطة، تمحو صفقات المساء مُقاطعات الصَّباح؟
في الوقت الذي سارعت فيه هوليوود ومعظم الصناعات السمعيّة البصريّة الأوروبيّة، إلى قطع علاقاتها بالسّوق الروسيّة منذ الأسابيع الأولى للحرب، اختارت شريحة مؤثرة من موزعي الأفلام الفرنسيّين مسارًا مغايرًا، مُبقين أبواب التوزيع مفتوحة، ومُساهمين – عن قصد أو عن لامُبالاة – في رفد خزينة الكرملين بملايين اليوروات من العائدات الضريبيّة. وعلى الرغم من تلك المحاصصات السّينمائيّة التجاريّة، إلّا أنه لم يتبادر إلى أذهاننا، أن يتبدَّل أيضًا المشهد السينمائيّ الفنيّ في فرنسا بطريقة صادمة أكثر.
لكن لم يأتِ أحد على ذكر ما اقترفته الأكاديميّة المسؤولة عن تنظيم احتفاليّة "سيزار" في حق السّينما العربيّة! كيف يُمكن لفرنسا أن تعلن دعمها السياسيّ والإنسانيّ للقضايا العربيّة، بينما تعجز مؤسّساتها السينمائيّة، وعلى رأسها "أكاديميّة سيزار"، عن ترشيح أي صانع أفلام عربيّ أو عملٍ يتناول قضاياها، بما في ذلك أفلام بارزة مثل: "صوت هند رجب"؟ أليس في هذا التباين ما يطرح تساؤلًا جديًا حول حدود هذا الدّعم حين ينتقل من الخطاب السّياسي إلى الاعتراف الثقافي والفني؟!
ويبدو أن العرض الأوَّل لفيلم "صوت هند رجب" في "مهرجان البندقيّة السّينمائي الدّولي" في إيطاليا، حال دون اختياره في "مهرجان كان السّينمائي الدوليّ"، ما شكَّل عائقًا غير منطقيّ لاستثنائه من ترشيحات "سيزار". إذ نجد أن كل ترشيحات "سيزار" عن فئة "أفضل فيلم أجنبي"، ذهبت لأعمال سينمائيّة عُرضت أوّلاً في "مهرجان كان"، باستثناء فيلم "One Battler After Another". أمرٌ يُضيف بُعدًا شديد التحيُّز، إضافةً إلى التساؤلات السّابقة أعلاه، على الرغم من أن الفيلم حاز على دعمٍ انتاجيّ مُشارك، عبر العديد من الجهات الدّوليّة المانحة، وعلى رأسها فرنسا!
مسايرة من "الأوسكار"؟
لا تأتي ترشيحات "الأوسكار" بوصفها حصيلة فنيّة فحسب، بل باعتبارها وثيقة ثقافيّة تكشف مزاج هوليوود، وحدود شجاعتها، وخطوطها الحمراء غير المُعلنة. ففي دورتها الثامنة والتسعين، بدت الأكاديمية كمن يسير على حبلٍ مشدود. من جهة، انفتاح غير مسبوق على أفلام الرّعب، السّينما السياسيّة، والأصوات العالميّة. ومن جهةٍ أخرى، استمرار في تجاهل أسماء وأعمال تُشكّل اليوم قلب السّينما المُعاصرة. إنها دورة الأرقام القياسيّة والمُفاجآت الصّاخبة، لكنها أيضًا دورة الشكوك القديمة التي لم تُحسم بعد.
ويصعب الحديث عن "أوسكار 2026" من دون التوقف مُطوّلًا عند فيلم "Sinners" للمُخرج Ryan Coogler، الذي قلب المُعادلة التاريخيّة للأكاديميّة بعد حصوله على ستة عشر ترشيحًا، وهو رقم لم يبلغه أي فيلم سابق!
المُفارقة أن هذا الإنجاز لم يَتحقق عبر دراما تاريخيّة تقليديّة أو سيرة ذاتيّة، بل من خلال فيلم رُعب مصبوغ بالسّياسة، يُعيد قراءة التاريخ الأميركي من زاوية العُنصريّة وقصص مصّاصي الدّماء. لطالما وُضعت أفلام الرعب خارج الذائقة الأوسكاريّة، باعتبارها سينما تجاريّة أو استهلاكيّة. لكن "Sinners" فرض نفسه لا بوصفه استثناءً تقنيًا، بل كعملٍ مُتكاملٍ. بين إخراج، تمثيل، تصميم صوت وصورة، وبناء سرديّ يُزاوج بين النوع السّينمائيّ المُحدَّد والهمّ التاريخي.
أن تُكرّس الأكاديميّة هذا الفيلم بهذا الحجم من الترشيحات، فذلك مؤشر واضح إلى تحوّل، أو مُحاولة تحوّل، في تعريف الفيلم الجاد. كما أن ترشيح Delroy Lindo عن هذا الفيلم، لفئة "أفضل ممثل في دور مساعد"، أعاد الاعتبار لمسيرة ممثل لطالما اعتُبر مظلومًا "جوائزيًا". إلّا أن هذا الترشيح بدا لنا وكأن الأكاديميّة تسعى إلى تصحيح أخطاءٍ قديمة، ولو مُتأخرة، خاصّةً بعد تجاهل ترشيحه عام 2021 عن أدائه اللّافت في فيلم "Da 5 Bloods" للمُخرج Spike Lee.
وفرة في الترشيحات
لم يتصدَّر "Sinners" وحده المشهد... فقد لحقته أفلام مثل:
,"Hamnet", "One Battle After Another", "Marty Supreme", "Frankenstein", "Sentimental Value"، في سباق اتسم بتوزيع نسبي للثقل بدل الاحتكار الكامل. هذا التنوّع عكس رغبة واضحة في عدم تركيز الجوائز حول عنوانٍ واحد، لكنه كشف أيضًا عن صراع غير مُعلن بين النجاح النقدي والنجاح خلال موسم الجوائز التمهيدي. فبعض الأفلام التي حققت حضورًا قويًا في الجوائز السّابقة لـ "الأوسكار"، مثل "Jay Kelly" و "Black Bag"، بدت أقلّ حظًا في الترشيحات النهائيّة، ما يُعيد طرح سؤال تأثير الحملات، شبكات النفوذ، واستراتيجيّات الاستوديوات، لا سيَّما في ظل التحوّلات الكبرى في صناعة السّينما، مثل استحواذات الشركات العملاقة ودخول منصّات البث الرقميّة بثقلٍ مُتزايد.
إذا كان "Sinners" عنوان المفاجأة الإيجابيّة الكبرى، فإن "Wicked: For Good" قد شكّل الصّدمة المعاكسة. فيلم خرج من السّباق بلا أيّ ترشيح، رغم الزخم الجماهيري، الرّهان الإنتاجي والتوقعات العالية لترشيح أداءات Ariana Grande و Cynthia Erivo. هذا التجاهل الكامل لم يكن مجرَّد تمايز، بل حمل دلالاتٍ أعمق. فتور واضح تجاه سينما الاستعراض، ولعلَّه رسالة غير مباشرة ضدّ تقسيم الفيلم إلى جزءَين وضد المُبالغة في التعويل على النجاح التجاري بوصفه جواز مرور إلى الجوائز. كأن الأكاديمية تقولها هذه المرَّة وبوضوح: النجاح الجماهيري لا يكفي.
التحايل بغية الإنصاف
في فئات التمثيل، بدا أن الأكاديميّة دخلت مرحلة مراجعة داخليّة هذه الدّورة. ما يُعرف بـالتحايل التصنيفي (Category Fraud) – أي ترشيح أدوار رئيسيّة في فئات مُساندة لتسهيل فوز زملاء من نفس الفيلم – واجه هذا العام مُقاومة ملحوظة! غابت أسماء بارزة، وبرزت أخرى، في مُحاولة لإعادة رسم حدود الفئات.
في المقابل، جاءت مفاجأة ترشيح المُمثلة Kate Hudson عن فيلم "Song Sung Blue" لتُعيد فتح ملف التحيُّز الاعتيادي ضد ممثلي الكوميديا الرومانسيّة. هنا، لمعت Hudson في أداءٍ هادئٍ، غير استعراضي، وإنما متماسك ومشحون بالعاطفة. بدا هذا الترشيح كأنه يقول إن النجوميّة لا تلغي القدرة التمثيليّة، وإن بعض المسيرات تحتاج فقط إلى الدور الصّحيح ليُعاد تقييمها. وأظهرت الترشيحات انفتاحًا نسبيًا على السينما العالميّة، لا سيَّما مع تميُّز فيلم التشويق - الدرامي البرازيلي "The Secret Agent"، الذي استفاد من موضوعه السّياسي وراهنيّته، وحضور ممثلين ذوي كاريزما عالية. غير أنّ هذا الانفتاح ظلَّ مشروطًا، فاستمرار تجاهل مُخرج بحجم Park Chan-wook، للمرَّة الثالثة تقريبًا، يُثير تساؤلات جديَّة حول معايير القبول والاستبعاد. هل المشكلة في جرأة أفلامه؟ في عنفها؟ في عدم قابليتها للاختزال الأخلاقي؟ أم أن الأكاديمية لا تزال مُتوجِّسة من سينما لا تُقدِّم نفسها بلُغةٍ مُرضيةٍ ثقافيًا؟ في المُقابل، استطاعت أفلام وثائقيّة وسياسيّة شديدة القسوة مثل "The Perfect Neighbor" أو "Mr. Nobody Against Putin" أن تفرض وجودها، وكأنّ الألم حين يكون موثقًا وواقعيًا، يُصبح أقلّ تهديدًا من خيالي سينمائي مُتمرّد.
كما لا يُمكن فصل ترشيحات هذا العام عن السّياق السّياسي والثقافي الأوسع، حيث ثمّة حضور طاغٍ لموضوعات السّلطة، القمع، الهويّة والذاكرة. يُقابله حذرٌ واضح من الأفلام التي تذهب بعيدًا في تفكيك العنف أو مُساءلة البُنى الأخلاقيّة السّائدة. الأكاديميّة تبدو، مرّةً أخرى، مؤسّسة تحاول مواكبة اللّحظة من دون أن تصطدم بها كليًا.
بين الرماديّة والعدميّة
لا يُمكن قراءة الموقف الفرنسي المُعلن من القضايا العربيّة بمعزل عن تمثلاته داخل الحقل الثقافي، حيث تحوَّلت المواقف من خطاباتٍ دبلوماسيّة إلى ممارسات رمزيّة ذات دلالات أعمق. ففي الوقت الذي تؤكّد فيه المرجعيّات الفرنسيّة، رسميًا، التزامها بالقيم الكونيّة لإنسان، يظل هذا الأمر موضع اختبار. وبدت نتيجته، تموضعًا في العدميّة، مع الغياب التام لأي ترشيح عربي ضمن أهم مؤسّساتها الثقافيّة والسّينمائيّة التي تمنح "جوائز سيزار". أليس هذا إقصاءً واضحًا داخل فضاء يُفترض أنه يحتفي بالتعدّد والاختلاف؟
لا تُعتبر ترشيحات الأوسكار لهذه السّنة انفتاحًا ثوريًّا كاملًا، ولا هي تكرار ميكانيكيّ للماضي. إنها تقف في المنطقة الرماديّة، حيث يُفتح الباب نصف فتحة، ثمّ يُغلق قليلًا. يُكافئ الرّعب حين يكون مؤطَّرًا، والسّياسة حين تكون قابلة الاستيعاب، والتجريب السّينمائي حين لا يُهدّد الذائقة العامّة. لكن تبقى ليلة الحفل اختبارًا أخيرًا. هل ستُترجَم هذه الترشيحات إلى فوزٍ حقيقي للأفلام الأكثر جرأة؟ أم ستعود الجوائز الكبرى إلى خيارات أكثر أمانًا؟
في كلّ الأحوال، تؤكّد هذه الدّورة أن الأوسكار لم يَعُد مُجرَّد احتفال بالسّينما، بل ساحة صراعٍ ثقافي، تعكس ما نراه آمنين في مقاعدنا أمام الشاشة… وما نخشاه خارجها!