في لحظات التحوّل الكبرى، حين تختنق الشعارات بثقل الواقع، تعود السياسة إلى أصلها الأول: فنّ الممكن. هكذا كان التاريخ دائمًا، وهكذا يبدو الشرق الأوسط اليوم، حيث تقف طهران عند مفترقٍ حاسم بين خطابٍ ثوريٍّ دينيٍّ متصلّب، وواقعٍ دوليٍّ وداخلي خانق لا يرحم.
في هذه الأيام، يستحضر بعض المراقبين صلح الإمام الحسن بن علي مع معاوية بوصفه رمزًا سياسيًا بالغ الدلالة: لحظة قرأ فيها القائد موازين القوى بدقة، وفضّل حفظ الجماعة على خوض معركةٍ خاسرة، فاختار التراجع التكتيكي بدل الانتحار السياسي. لم يكن الصلح انتصارًا، لكنه لم يكن هزيمةً أيضًا؛ كان اعترافًا شجاعًا بحدود القوة.
في زمن الحرب العراقية – الإيرانية، تجرّع الإمام الخميني ما سمّاه «كأس السم»، وقَبِل وقف إطلاق النار بشروطٍ فرضها صدام حسين. واليوم، تبدو إيران في موقعٍ مشابه من حيث الشكل، لا من حيث الجوهر.
فالمشروع الإقليمي الإيراني، الذي نشأ على أنقاض الدمار والفراغ الاستراتيجي اللذين خلّفتهما السياسات الأميركية منذ حرب تحرير الكويت وما تلاها من تفكيك ممنهج للعراق، وتمدد تحت راية «محور المقاومة» من ضفاف دجلة إلى شواطئ بيروت، يواجه اليوم حالة استنزافٍ تراكميّ متصاعد. عقوبات خانقة، اقتصاد متآكل، احتقان اجتماعي داخلي، وضربات عسكرية متكررة، تُقابَل جميعها بإنكارٍ ممنهج للواقع، يُغلَّف بخطاب «الصبر الاستراتيجي» أو يُبرَّر بأسطورة تكتيك حائك السجاد، فيما تتآكل القدرة على المناورة ويضيق هامش الخيارات.
في المقابل، يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه «معاوية الجديد»؛ قوة براغماتية صلبة، واضحة الأهداف، تمسك بمفاتيح الخنق والفتح معًا، بلا أوهام أيديولوجية ولا أثقال التزامات سياسية تقليدية. يحكم بمنطق الصفقة والمصالح الاستراتيجية المرنة، لا بالعقيدة الجامدة، وبميزان الربح والخسارة المادية، لا بشعارات دينية أو تاريخية، ما يجعل قراراته عصيّة على التنبؤ، لكنها شديدة الوضوح في غاياتها.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تريد طهران الصلح والمفاوضات؟ بل: هل تستطيع الاستمرار في حالة اللاحرب واللاسلم؟
لقد أثبتت التجربة أن الخطاب العقائدي لا يُطعم جائعًا، ولا يردّ غارة. ومهما اشتدّ، فإنه يتراجع عندما تصبح كلفة البقاء أعلى من كلفة التنازل. والتاريخ حافل بأنظمةٍ رفعت رايات المواجهة حتى اللحظة التي اضطرت فيها إلى الجلوس على الطاولة، لا حبًّا بالسلام، بل خوفًا من الانهيار.
غير أن الفارق الجوهري بين «طريقة الحسن» وأي سلوك إيراني محتمل، أن الإمام الحسن صالح ليحفظ الدم، بينما قد يُقرأ أي صلح إيراني اليوم بوصفه صفقة مصالح:تخفيف للعقوبات مقابل كبح النفوذ،أو تجميد للمشروع مقابل بقاء النظام ولو مشلولًا أو مقلم الأظافر.
هنا، لا نتحدث عن حكمةٍ أخلاقية، بل عن براغماتيةٍ باردة.
الأكثر إيلامًا في هذا السيناريو، أن أثمان الصلح لا تُدفع من طهران وحدها، بل من الساحات التي استُخدمت أوراق ضغط: بغداد، بيروت، وصنعاء.
فكما صمتت إيران يوم ضُرب العراق، وكما تصمت قوى إقليمية أخرى اليوم، يتبيّن أن الصمت في السياسة ليس حكمة، بل مشاركة غير معلنة في توزيع الغنائم.
في النهاية، قد لا تعقد طهران صلحًا معلنًا، وقد لا ترفع الراية البيضاء. لكنها، كما غيرها عبر التاريخ، قد تغيّر لغتها، وتخفّض سقفها، وتعيد تعريف «مبادئها» بما يسمح لها بالبقاء.
فالانظمة، على عكس الشعارات، تموت من سوء قراءة اللحظة.