العميد المتقاعد جوني خلف

مناظرة باسيل… فقاعته الصاخبة فوق عهد الخراب

4 دقائق للقراءة

غدًا، يلوّح جبران باسيل بـ"مناظرة" عبر برنامج "صار الوقت"، وكأنها مواجهة مصيرية تُظهره كمدافع عن الحقائق والدولة. الحقيقة مختلفة تمامًا هذه المناظرة ليست أكثر من فقاعة استعراضية، ستخفي سنوات من الفشل والهدر والتعطيل. هي ليست دعوة للحوار، ولا فرصة لتقديم إجابات، بل محاولة يائسة لتغطية الحقيقة بأن هناك خصم قوي، بينما كل الملفات الحقيقية مفتوحة بلا جواب. المناظرة، بهذا المعنى، هي تسويق للفشل كإنجاز، وتحويل الخراب الذي تركه وراءه إلى صوت مرتفع وكاميرا مشتعلة.

فمن يطالب بالمناظرة مع قائد "القوات اللبنانية"، الذي حمل هم السيادة، وحافظ على الصوت المسيحي المستقل، وواجه الوصاية والسلاح غير الشرعي، وقدم من عمره وحزبه ثمنًا باهظًا لحماية لبنان، يظهر بوضوح أن الهدف ليس الحوار، بل خلق ضجيج يغطّي كل ما فشل على يده من الكهرباء التي ابتلعت مليارات بلا إنتاج، والسدود التي تحوّلت إلى مشاريع متعثّرة، والبواخر والعقود المشبوهة، وتحالفات مريبة مع حزب الله على حساب الدولة والمواطنين. كل ملف من هذه الملفات، لو حُوكم بمواجهة حقيقية، يفضح سنوات من التقصير وهدر المال العام.

وليس الأمر جديدًا جبران باسيل لطالما انقلب على كل الاتفاقيات، من اتفاق معراب الذي جمع المسيحيين ووصل بالرئيس ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، إلى أي تفاهم سياسي جديد، مخلفًا وراءه خيبة أمل وتحطيم مصداقية كل من وثق به. كل هذه الانقلابات تظهر أن المناظرة التي يطلبها اليوم ليست طلب إجابات، بل محاولة لتغطية الفجوات والفشل المتراكم، وعن عقدته المعروفة تجاه القوات اللبنانية وسمير جعجع، الذي يمثل الخصم السيادي الواضح، بلا أي ملف موثق يُسقطه أو يثبت اتهامًا بحق وزرائه أو نوابه.

ولا يمكن تجاهل أسلوب جبران باسيل في الاتهام، إذ سبق أن اتهم العماد جوزاف عون، حين كان قائدًا للجيش، بالخيانة وقلة الوفاء، وطلب تحقيقًا ماليًا بالأموال المخصصة للجيش، ما يوضح بدون أي شك أن الاتهامات كانت جزءًا من مخططه السياسي، وأن نواياه الحقيقية لم تكن الدفاع عن الدولة أو الجيش، بل خدمة مصالحه الخاصة وإيهام الرأي العام.

وإذا كانت المناظرة المطلوبة هي استعراض على الهواء، فالواقع يقول إن المواجهة الحقيقية ليست على الشاشات، بل في دفاتر الدولة، الملفات القضائية، ميزانية الكهرباء والسدود، والتحقيقات التي تستدعي الشهود والمستندات. هناك فقط يظهر الفرق بين من حاول حماية الدولة وبنائها، ومن استخدمها لتحقيق مكاسب شخصية، ثم خرج اليوم يلوّح بمناظرة كغطاء إعلامي.

باختصار، المناظرة التي يطلبها جبران باسيل غدًا ليست إلا فقاعة صاخبة فوق عهد من الملفات المفتوحة، محاولة لتغطية الخراب الذي تركه وراءه، ولإخفاء سنوات من الهدر والفشل، بينما الحقيقة الصارخة تبقى على الطاولة من كان في قلب القرار يوم انهيار الدولة، لا يملك اليوم سوى الصوت المرتفع، والمناظرة الاستعراضية، والأضواء الساطعة… لكنها لن تغيّر من واقع الأمور شيئًا.

المناظرة التي يلوّح بها باسيل لا يجب أن تكون مع سمير جعجع ولا مع أي خصم سياسي، بل مع الشعب اللبناني نفسه. مناظرة على شكل كشف حساب عن أموال هُدرت، وحقوق سُرقت، ودولة أُفرغت من مؤسساتها، ومستقبل ضاع على جيل كامل.

مناظرة مع اللبنانيين، لا على الشاشات بل على ضمير الوطن كشف حساب عمّا فُعل بأموالهم، وبأعمارهم، وبثقتهم بدولة خُذلت في عهدكم.

أمام اللبنانيين وحدهم تُطرح الأسئلة الحقيقية، وأمامهم تُقدَّم الأجوبة والاعتراف بالعجز .فالشعب هو صاحب الحق، وهو القاضي الحقيقي .كفى تلاعبًا وخداعًا، كفى تحريفًا للحقائق، كفى اللعب بمصير الوطن.

الشعب وحده هو من يستحق الإجابة الصادقة والاعتراف بما أهدرته السنوات الماضية، وبما أضاع مستقبل الوطن والدولة، ولن يمر من استخدم السلطة لمصالحه الخاصة دون مساءلة.