وائل خير

لبنان في قلب عاصفة الشرق الأوسط

4 دقائق للقراءة

الحرب الأميركية - الإيرانية، والجهود الإقليمية والدولية لإيجاد حلول لحرب غزة.

حدثان ربما دمغا عالمنا لعقود، لكن وقعهما على لبنان سيكون دون شك، بالغ الأثر. كيف يمكن لحروب واقتتال ومجازر ترتكب بعيدا منه، أن تجر ويلات ودمارًا إلى كيان سياسي ليس في جوار أي من الأطراف ولا أهمية اقتصادية اأو استراتيجية يطمع أحد بها؟ الجواب نجده في بنية لبنان وفي نظامه السياسي.

ما هي هذه التطورات الإقليمية؟ كيف ستصيب لبنان بمقادير تفوق سواه؟ وهل من حل؟

أبرز الأحداث هي الحشد الأميركي البحري والجوي الهائل استعدادًا لما يمكن أن يكون عمليات عسكرية تطيح بنظام ولاية الفقيه في إيران. هناك أيضًا المساعي الدولية والإقليمية لوضع نظام لقطاع غزة يطمح إلى استقرار يحول دون تكرار حرب 7 أكتوبر 2025 وما خلفت من دمار وضحايا .

تحشد الولايات المتحدة أسطولًا لم يحشد قط ما يماثله، مزود بسلاح جوي متطور فائق القدرة على إيقاع دمار هائل حتى الأعماق جوًا وبرًا وبحرًا. ثم إن حكم ولاية الفقيه فشل في إخفاء مقدار الرفض الشعبي لحكم استمر ما يقرب من نصف قرن اتسم بكل مساوئ الاستبداد دون تحقيق أي إنجاز اقتصادي أو علمي أو اجتماعي رافق حكم طغاة كستالين أو ماو تسي تونغ أو هتلر، بل انحصرت إنجازاته بإرجاع مجتمع كان في طليعة مجتمعات الشرق الأوسط تطورًا، إلى قيم القرون الوسطى وطرق عيشها.

لكن في ثنايا هذا الوصف لأطراف النزاع خفايا ما لم تتدارك، لقلبت الصورة وانتهت بانسحاب أميركي مهين يماثل الانسحاب الخفي من العراق والكارثي من أفغانستان بعده.

ما على واشنطن أن تقلق له، هو من سيحكم ايران إن سقط حكم ولاية الفقيه؟

نظام الشاه لم يحل دون بروز شخصيات ليبرالية وأحزاب شيوعية ويسارية بما فيها يسارية - إسلامية كمجاهدي خلق، يمكنها أن تلي الحكم إن سقط نظام الشاه. كما إنه كان للجيش، عند الحاجة، إمكانية تبوؤ السلطة. نظام ولاية الفقيه أخذ كل ذلك بالحسبان فاستأصل المعارضة ونقل الجيش بعد تصفية قياداته إلى الحدود وأسند الأمن الداخلي إلى الحشد الشعبي والباسيج. كما زودهما بمصادر أموال تقوم بنفقاتهما حتى ولو تبدل الحكم.

لو سقط الحكم في طهران دون بديل يملأ الفراغ لعمّت الفوضى وانتهت إلى تفتت إيران إلى إثنيات عديدة ستجد في محيط ذاك البلد الشاسع من سيسرع إلى بسط نفوذه على امتداداته الإثنية داخل إيران لاستغلال الثروات الكبيرة التي تشتمل تلك الأقسام عليها، كالكرد والعرب والأذريين والبلوش، أحداث ستزلزل المنطقة من شرق تركيا إلى باكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان.

هل بإمكان أميركا أن تواجه هذا الزلزال؟ وإن فشلت، ما تأثير هذا التفلت على مصادر الطاقة العالمية وطرق إمدادأسواق العالم بها؟

ثم هناك عنصر الوقت.

لا يخفى على أحد أن "عقب أخيل" في بأس اميركا هو تبدل الحكم لأسباب دستورية لا تسمح بأكثر من تجديد واحد يبلغ مجموع كل حكم 8 سنوات. وحتى صلاحيات تكاد تكون مطلقة للرئيس، فإن انتخابات دورية للمجلسين التشريعيين، ودور المحكمة العليا، والفضائح ودور الصحافة والرأي العام الذي لا يمكن ضبطه، إلى جانب محاولات واغتيالات الرؤساء في أميركا التي لا مثيل لعددها إلا في دول العالم الثالث، كلها أمور تعطّل في أي لحظة صلاحيات الرئيس. لا شك أن أعداء أميركا، بمن فيهم نظام ولاية الفقيه، يحتسبونها.

موضع ضعف آخر في منطقتنا هو تنظيم أوضاع غزة والسعي الإقليمي والدولي للحيلولة دون تكرار أحداث 7 أكتوبر. هنا أيضًا نجد عقبات كبرى تواجه حلولًا دائمة لما يمكن أن يكون صاعقة تفجير إضافية للشرق الأوسط. تجريد سلاح حماس لن يتم سلميًا. هل من دولة تتحمل بذل دماء جيشها خدمة لقضية أجنبية؟ ثم إن إسرائيل لن ترضى بأدوار كبيرة لتركيا وقطر في حل مسألة غزة لتمويلهما حماس وإسنادها سياسيًا. هي جميعًا تثير القلق حول استقرار مستقبلي للشرق الأوسط.

أين لبنان من هذه الصورة القاتمة؟ كيف يمكن لأحداث إقليمية تبعد مئات وآلاف الأميال أن تؤثر علينا؟

الجواب بسيط: إنها بنية لبنان الحديث.

قلة أدركت ان توسيع حدود لبنان عام 1920 سيحول دون خلق مواطنية فيه وتحوله إلى حلبة صراع إقليمية.

من بين من حذّر من مستقبل قاتم للبنان ما لم تُستدرك علته، كان كاظم الصلح الذي خاطب المجتمعين في "مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة" الذي انعقد في بيروت عام 1936 قائلًا "نحن لا نريد أن نبني وطنًا نصف سكانه أعداء له".