أندريه مهاوج

بين "النووي" ولبنان... ما الذي تريده فرنسا من إيران؟

3 دقائق للقراءة
لا يمكن فصل موقف ماكرون من إيران عن الملفات الإقليمية الساخنة (رويترز)
باريس

لم تأتِ تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيرًا في شأن إيران من فراغ، بل تعكس تحوّلًا محسوبًا في مقاربة باريس للملف الإيراني، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. فبين الدعوة إلى احترام إرادة الشعب الإيراني، والتشديد على ضرورة العودة إلى المفاوضات حول البرنامج النووي والدور الإقليمي لطهران، تحاول فرنسا إعادة التموضع كقوة دبلوماسية فاعلة لا تصطف كليًا مع منطق التصعيد، ولا تتساهل في الوقت نفسه مع سياسات إيران.

عندما يتحدث ماكرون عن ضرورة احترام تطلعات الشعب الإيراني ووقف القمع الذي يمارسه النظام بحق هذا الشعب، قبيل جلسة المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي قد يحضرها ممثلون عن دول عربية وإسلامية بغياب أي ممثل أوروبي، فهو يوجّه رسالة مزدوجة: الأولى داخلية، موجهة إلى الرأي العام الأوروبي، تؤكد تمسّك فرنسا بخطاب حقوق الإنسان وعدم تجاهل ما يجري داخل إيران. والثانية سياسية بامتياز، وتتمثل في استخدام ملف الحريات كورقة ضغط إضافية على طهران، في وقت تدرك فيه باريس أن النظام الإيراني بات أكثر حساسية تجاه صورته الخارجية. لكن اللافت أن هذا الخطاب لم يُطرح بوصفه بديلًا عن الدبلوماسية، بل مكمّلًا لها، وهو ما يفسّر إصرار ماكرون المتكرّر على أن "الحل لا يكون إلّا عبر العودة إلى الحوار".

في جوهر كلام ماكرون، يبقى الملف النووي هو بيت القصيد. ففرنسا، التي كانت تاريخيًا من أكثر الدول تشددًا داخل مجموعة (5+1)، ترى اليوم أن استمرار الجمود أخطر من العودة المشروطة إلى طاولة المفاوضات. ومن هنا يمكن فهم دعوته إلى إعادة فتح النقاش ليس فقط حول تخصيب اليورانيوم، بل أيضًا حول الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران. هذا الطرح يعكس قناعة فرنسية بأن أي اتفاق نووي "محدود"، لن يكون كافيًا لطمأنة دول المنطقة ولا أوروبا، وبأن تجاهل الملفات الأخرى يعني تأجيل الانفجار لا منعه.

سياسيًا، يحمل موقف ماكرون محاولة واضحة للتمايز عن المقاربة الأميركية، من دون الوصول إلى حد القطيعة. فباريس لا تريد حربًا جديدة في الشرق الأوسط، ولا انهيارًا كاملًا لقنوات التواصل مع طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر بموقع المتساهل أو العاجز. لذلك، يعتمد ماكرون خطاب "العصا والجزرة": تشدد في الكلام، ودعم العقوبات والضغوط السياسية، مقابل إبقاء باب التفاوض مفتوحًا إذا غيّرت إيران سلوكها.

لا يمكن فصل موقف ماكرون من إيران عن الملفات الإقليمية الساخنة، وعلى رأسها لبنان. ففرنسا ترى أن أي انفراج أو تصعيد إيراني سينعكس مباشرة على استقرار لبنان، وعلى دور "حزب الله"، وعلى أمن الحدود الجنوبية. من هنا، فإن تشديد ماكرون على "الدور الإقليمي لإيران" ليس خطابًا نظريًا، بل هو مرتبط بحسابات أمنية وسياسية مباشرة.

ما يقصده ماكرون بكلامه الأخير هو رسم خط أحمر واضح: لا تطبيع كاملًا مع إيران من دون تغيير في السلوك، ولا مواجهة مفتوحة من دون أفق سياسي. إنها محاولة فرنسية لإعادة إحياء الدبلوماسية من موقع القوة، وإثبات أن باريس لا تزال لاعبًا مستقلًا في واحدة من أعقد ملفات الشرق الأوسط.

بكلمات أخرى، هو موقف يوازن بين المبادئ والمصالح، وبين الضغط والحوار، في وقت ضاق فيه هامش الخيارات، واتسعت فيه احتمالات التصعيد.