في السياسة اللبنانية، ليست الكلمات من تحدد القوة، ولا الشعارات المدوية من تصنع الزعامة. هناك من يسجل اسمه في التاريخ بالتضحيات والعمل، وهناك من يحلم بالمكانة بينما لا يتجاوز حجمه الفعلي حدود الخطاب. سمير جعجع وجبران باسيل… الفرق صارخ وواضح.
سمير جعجع ليس سياسيًا عابرًا أو متسلقًا على مناصب السلطة. هو رجل مقاوم شجاع ورجل مؤسساتي بإمتياز قاوم الاحتلالات عسكريًّا ثم اعتقل لاهداف سياسية وحلّ حزبه ثم خرج من المعتقل بعد سنوات طويلة ليعيد بناء حزبه ومشروعه السياسي القائم على الدولة، السيادة، ومحاسبة الفاسدين. ومنذ خروجه قدموا نوابه ووزراءه نموذجًا في العمل السياسي والمؤسساتي.
القوات اللبنانية التي يقودها سمير جعجع تمثل نموذجًا حقيقيًا للثبات والالتزام السياسي، في بلد يسقط فيه كل شيء بسرعة، فلدى سمير جعجع سجلّ حافل، رؤية واضحة، قيادة قادرة على مواجهة كل التحديات دون الحاجة لشراء صورة في مناظرة أو تسلق السلطة.
المارد لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى مناظرات تلفزيونية لإثبات حجمه. إنجازاته موجودة، والناس يعرفون من هو، والتاريخ لا يُخدع بالشعارات الفارغة.
أما جبران باسيل، فهو أصغر من أن يستوعب المكانة التي يطمح إليها. سنوات حكمه لم تنتج إلا الفشل، والفساد، والانهيار المالي والاقتصادي. كل محاولة له لتسلق المشهد السياسي تشبه قزمًا يحاول التسلق على كتف عملاق، ليكتشف فجأة أن العملاق ليس سلّمًا.
باسيل يحاول أن يختصر المسافات بالتصريحات العالية النبرة، والوعود المكررة، ومناظرات وهمية مع خصوم أثبتوا جدارتهم، لكنه لا يستطيع تعويض فراغ إنجازاته. لا سلطة، لا مشروع، لا قاعدة شعبية صلبة… مجرد رغبة في حجم أكبر من قدره الحقيقي.
الدرس البسيط لكل من يتابع المشهد اللبناني باسيل، مهما صعد، لن يغير حقيقة أنه أصغر من الساحة التي يحاول أن يسيطر عليها. كل كلمة، كل تصريح، كل دعوة لمناظرة هي محاولة يائسة لتوسيع صورته في واقعٍ لا يتسع إلا لمن صنع نفسه بالتجربة والمواجهة.
الطموح الكبير لا يعوّض عن حجم صغير، ولا شعارات السلطة تمحو سنوات من الانهيار والهدر. باسيل يبدو كمن يحاول أن يتشبث بحبال وهمية، بينما جعجع يقف ثابتًا، المارد الذي لا يحتاج إلى رفع نفسه على أحد، ولا إلى أن يتحايل على الواقع لإيهام الآخرين بالقوة.
في السياسة، المارد يجبر الآخرين على احترامه بالعمل والسجلّ الحقيقي. القزم، مهما حاول، سيظل محصورًا بحجمه وطموحه الذي يفوق قدراته.
المناظرة لن تكون إلا إعلانًا جديدًا عن فشل باسيل في خلق واقع أكبر من نفسه، وعن الفرق الشاسع بين من صنع نفسه بالتضحيات وبين من يحاول استعارته عبر الكلام والصور الفارغة.
الحقيقة واضحة المارد لا يُستعمل سلّمًا، والقزم لا يكبر إلا عند رؤية خياله.
ناشطة سياسية واجتماعية