ما بعد "نيو ستارت"... ترامب يريد معاهدة محدّثة جديدة

4 دقائق للقراءة
الرئيسان الأميركي والروسي السابقان يوقعان "نيو ستارت" في براغ عام 2010 (رويترز)

انتهت صلاحية آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين أميركا وروسيا أمس، ما يعني أنه للمرّة الأولى منذ عام 1972، باتت القوتان العظميان من دون أي قيود على حجم ترسانتيهما أو تركيبتهما، في الوقت الذي تخططان فيه لجيل جديد من الأسلحة النووية ووسائل جديدة وأكثر قدرة على التملّص لإيصال الرؤوس الحربية الفتاكة، حيث تستعد واشنطن لنشر المزيد من الرؤوس الحربية النووية على أكبر غواصاتها، في حين يختبر خصومها أنواعًا وتشكيلات جديدة من الأسلحة النووية لم يكن يتصورها سوى القليلين عندما صادق مجلس الشيوخ الأميركي، بفارق ضئيل، على "نيو ستارت" عام 2010.

وأثار انتهاء صلاحية المعاهدة مخاوف من سباق تسلح نووي، لكن يرى بعض الخبراء أن القيود التي فرضتها "نيو ستارت" أصبحت قديمة ولم تعد ضرورية، وأنها قيدت أميركا بشكل غير مبرّر، خصوصًا في ظل سعي الصين، غير المشمولة في المعاهدة، إلى توسيع ترسانتها النووية. وكانت المعاهدة التاريخية قد حددت سقفًا لكلّ من أميركا وروسيا على حدة عند 1550 رأسًا حربيًا نوويًا منشورًا، و700 صاروخ باليستي عابر للقارات منشور وصواريخ باليستية تُطلق من الغواصات وقاذفات ثقيلة مجهزة لحمل أسلحة نووية، و800 منصة إطلاق "منشورة وغير منشورة"، كما فرضت قيودًا على الأسلحة النووية الروسية العابرة للقارات القادرة على الوصول إلى أميركا.

في السياق، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه "بدلًا من تمديد معاهدة "نيو ستارت" (وهي اتفاق جرى التفاوض عليه بشكل سيّئ من جانب أميركا، ويجري انتهاكه بشكل فاضح، إلى جانب مشكلاته الأخرى)، ينبغي أن يعمل خبراؤنا النوويون على معاهدة جديدة، محسّنة، ومحدّثة، يمكن أن تستمرّ لفترة طويلة في المستقبل". وكان موقع "أكسيوس" قد كشف أن أميركا وروسيا تقتربان من التوصل إلى اتفاق لمواصلة الالتزام بـ "نيو ستارت"، مشيرًا إلى أن مسودة الخطة لا تزال بحاجة إلى موافقة ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وأوضح أن مفاوضات جرت بين يومي الأربعاء والخميس في أبوظبي بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر ومسؤولين روس على هامش المحادثات المتعلّقة بالحرب الروسية على أوكرانيا، لكنه لم يؤكد التوصل إلى اتفاق.

وأوضح مسؤول أميركي لـ "أكسيوس" أنه لن يجري إضفاء الطابع القانوني على تمديد المعاهدة، لكنه أشار إلى أنه "اتفقنا مع روسيا على العمل بحسن نية والبدء بمناقشة سبل تحديثها (المعاهدة)". وذكر مصدر آخر أن التداعيات العملية تتمثل في أن الجانبين سيوافقان على الالتزام بشروط المعاهدة لمدة لا تقل عن ستة أشهر، يجري خلالها إجراء مفاوضات في شأن اتفاق جديد محتمل. وحذر مسؤول أميركي من أن الاتفاق سيكون على الأرجح "اتفاق مصافحة"، لأن التمديد غير مسموح به تقنيًا بموجب القانون.

وكان بوتين قد أشار سابقًا إلى إمكانية تمديد قصير الأجل، إلّا أن الخارجية الروسية أعربت في بيان شديد الانتقاد الأربعاء عن أسفها لأن "أفكارنا تُركت عمدًا من دون رد". وأكد الكرملين أمس أن روسيا "مستعدة للحوار مع أميركا في شأن الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية إذا استجابت واشنطن بشكل بناء"، مشيرًا إلى أن هذه المسألة قد أثيرت في مكالمة هاتفية بين بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ الأربعاء، مؤكدًا أن "ما سيحدث بعد ذلك يعتمد على كيفية تطور الأحداث، على أي حال، ستحافظ روسيا على نهجها المسؤول واليقظ تجاه قضية الاستقرار الاستراتيجي في مجال الأسلحة النووية، وبالطبع، كما هي الحال دائمًا، ستسترشد أولًا وقبل كل شيء بمصالحها الوطنية".

وبينما لم تُبدِ بكين أي اهتمام بالانضمام إلى اتفاق يحد من برنامجها النووي، وليس لديها حافز واضح للقيام بذلك، حسم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مجددًا الأربعاء أن "الرئيس (ترامب) كان واضحًا في الماضي أنه لتحقيق رقابة حقيقية على الأسلحة في القرن الـ 21، من المستحيل القيام بشيء لا يشمل الصين بسبب مخزونها الضخم والمتنامي بسرعة". وفيما تحدث ترامب هاتفيًا مع شي الأربعاء، لم يذكر موضوع الحد من الأسلحة في البيان الذي أصدره ترامب حول المحادثات.

في الغضون، أعلنت القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا في بيان أن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى بينهما، الذي كان قد عُلّق عام 2021 قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، بهدف تجنب التصعيد وسوء التقدير من الجانبين، حاسمة أن الحفاظ على الحوار بين الجيشين عامل مهم بالنسبة إلى الاستقرار والسلام العالميين، اللذين لا يمكن تحقيقهما إلّا من خلال القوة، ويوفر وسيلة لزيادة الشفافية وتخفيف حدة التوتر. وجاءت إعادة تفعيل الآلية بعد أن أجرى قائد القيادة الأميركية في أوروبا الجنرال أليكسوس غرينكيويتش محادثات مع كبار المسؤولين العسكريين الروس والأوكرانيين في أبوظبي.