في معرضه الفني الفردي الأول "Driving Forces" يصحب الفنان التشكيلي جوزيف أفـرام زوّاره، في رحلة إلى أعماق المشاعر الإنسانية معتمدًا لغة بصرية متجذرة في مبادئ العمارة والتكوين، والكتلة، والحجم، والشكل، محوّلًا اللوحة إلى مساحة تأمّل داخلي فلا تبقى مجرّد صورة معلّقة.
يشكّل المعرض الذي افتُتح في 3 شباط الجاري ويستمرّ حتى نهايته في غاليري "Art District" - الجمّيزة، مساحة لعرض لوحات ذات تعبير دراميّ بالأبيض والأسود، بعيدة عن المباشَرة، ومشبعة بالأمل والفضول والتساؤلات الوجودية، ليجد الزائر نفسه في وقفة نادرة، هادئة وعميقة، أمام ما لا يُرى ولا يُقال.
المشاعر محرّك فني
يستند معرض جوزيف أفرام "Driving Forces"، إلى منظومة داخلية من المشاعر غير المرئية التي تشكّل جوهر التجربة الإنسانية وتوجّه مسار الفرد في حياته. تلك المشاعر، على ما يقول أفرام لـ "نداء الوطن"، تتجلّى في حالات شعوريّة متنوّعة، مثل الإحباط، والتمرّد، والرضا، والهدوء، والاكتفاء، والشعور بالقوّة، والقناعة، والقدرة على الصمود. وهي ليست مشاعر عابرة، بل طاقات داخلية تتخذ أحيانًا شكل أسئلة وجودية، تفرض على الإنسان التوقف عندها، وفهمها، والبحث عن إجاباتها من الداخل.
ويوضح أفرام أن مع تقدّم الإنسان في الحياة، تتشكّل هذه القوى تدريجيًا عبر لحظات إدراك ومواقف يومية قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طيّاتها تحوّلات عميقة. فملاحظة موقف معيّن أو التأمّل في لحظة محدّدة، قد يفتحان بابًا لاكتشاف جديد، وهذا الاكتشاف بدوره يصبح محرّكًا للتغيير، يعيد صياغة السلوك ويؤثر في القرارات المصيرية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى المعرض بوصفه مواجهة هادئة مع الذات، أشبه بالوقوف أمام مرآة داخلية تُعيد طرح الأسئلة حول الإنسان وتجربته. فالعمل الفني هنا ينبع من التأمّل في الذات وفي الآخرين ضمن مواقف محدّدة، شخصيّة كانت أو مهنيّة.
رحلة طويلة
يقول أفرام إن رحلة لوحات المعرض بدأت منذ عام 2016، عندما أنجز أول عمل من دون أي فكرة مسبقة لإقامة معرض. فقد كان المسار الإبداعي لكل عمل، عضويًا وتلقائيًا، متأثرًا بالظروف والتجارب الشخصية، بحسب تعبير الفنان. ومع السنوات، اقترح أحد الأصدقاء عليه تنظيم معرض. هنا برز التحدّي الأكبر في إيجاد صالة عرض مستعدة لاستقبال معرض أوّل لفنان تشكيليّ جديد، وهي تجربة تعلّم في حدّ ذاتها.
في هذا الإطار، يؤكد جوزيف أفرام أن العملية لم تكن سهلة، لكن المثابرة والمتابعة أدّتا إلى اختيار الصالة المثالية، "Art District"، ما أسهم في تقديم الأعمال ضمن تجربة فنية متكاملة يفتخر بها الفنان.
تسلسل الأعمال
يكشف أفرام أن اللوحات المعروضة لم تُنتَج خصيصًا لهذا المعرض، بل جاءت نتيجة سنوات من التأمّل والحاجة الداخلية للتعبير عن الذات. تجاربه اليومية، ولحظاته الصغيرة وملاحظاته الشخصية، شكّلت دافعًا له لرسم ما شعر به أو لاحظه أو رغب بشدّة في نقله إلى القماش، ليُعدَّ معرضًا يعكس رحلة شعورية صادقة.
وبالرغم من أن اللوحات رُسمت بشكل مستقل، لكنها تتسم بانسجام طبيعي، ينبع من الأسئلة الداخلية التي طرحها الفنان جوزيف أفرام على نفسه وما لاحظه خلال السنوات الماضية، ما يمنح زائر معرضه إحساسًا بتسلسل متدرّج بين اللوحات، رغم اختلاف لحظاتها وتعبيراتها.
الأبيض والأسود
عن اختيار الأبيض والأسود كلغة بصريّة أساسيّة للّوحات، يقول أفرام إنه لم يكن خيارًا جماليًا فحسب، بل وسيلة لإبراز المشاعر والملمس بصراحة ووضوح، وللسماح للتواصل المباشر مع المُشاهد من دون تشتيت. اللوحة أشبه بصورة أشعّة سينيّة (X-ray)، تركّز على الداخل، وتسلّط الضوء على الحقيقة الكامنة وراء اللحظة أو الإحساس، فتشكّل نافذة تطلّ على الجوهر الإنساني الذي يحمل العمق والمعنى.
المساحات الفارغة
وعن المساحات الفارغة داخل الأعمال المعروضة، يقول أفرام إنها تمنح اللوحة والمُشاهد، فرصة للتنفس والتأمّل بعيدًا من الزحمة البصرية. فالصمت في أجزاء محددة من العمل لا يعني فراغًا، بل يسلّط الضوء على ما في قلب اللوحة من معانٍ ومشاعر، مبرزًا الجوهر المخفي خلف الشكل والسطح.
في هذا الإطار، يرى الرسّام الشاب أن الإفراط في التفاصيل والفوضى البصرية قد يخفي ما هو مهم، بينما توقفُ الفنان عند اللحظة المناسبة وعدم الإفراط في التعبير يُعطي اللوحة قوّتها وتأثيرها، ويترك للمشاهد مساحة للتفاعل والتأمّل.
لوحة "المتأمّل"
يصعب على الفنان جوزيف أفـرام اختيار عمل محدّد تحت عنوان "الأحبّ إلى قلبه"، فكل لوحة تمثل لحظة من حياته، سواء أحبّها أو أقلقته. ومع ذلك، يفضل لوحة "The Contemplator - المتأمّل"، التي تجسّد شخصًا على تماسّ كامل مع ذاته، في لحظة تأمّل وسكون. يظهر الشخص في وضعية راحة، يأخذ نفسًا عميقًا ويزفره، متصالحًا مع الواقع من حوله. تبدو اللحظة ظاهريًا هادئة وعادية، لكنها في جوهرها تعبّر عن قبول عميق وسلام داخلي تجاه فكرة، موقف، أو قرار اتُخذ للتو، مؤكّدةً أن هذه اللحظات الهادئة تحمل قوّة خفيّة وتأثيرًا بالغ الأهمية رغم بساطتها الظاهرة.
حالات
من جهة أخرى، يُركّز الفنان جوزيف أفـرام في أعماله على تصوير الناس في لحظات محدّدة جدًا، حيث يتيح له هذا التصوير قراءة ما يشعر به الفرد أو ما يدور في ذهنه، كأن له عينًا ثالثة ترى الداخل لا الخارج. وغالبًا ما تجسّد لوحاته أشخاصًا في حالة سكون وتأمّل أو إدراك وتفكير، في لحظات هادئة قليلة الحركة، لكنها مشحونة بالقوّة والدلالة. هذه اللحظات الوقورة والتأمّليّة، تجعل الإنسان حاضرًا بالكامل في داخله، بينما يكون غائبًا عن كل ما يحيط به، ما يمنح أعمال أفـرام عمقًا نفسيًا وفنيًا يتجاوز المظهر الظاهر.
التفاعل مع اللوحات
يركّز معرض "Driving Forces" على قدرة اللوحة على التواصل مع الناظر إليها، بما يتجاوز الأشكال والألوان، لتصل إلى جوهر الموقف المصوَّر والمشاعر الكامنة فيه. وانطلاقًا من هذه النقطة، يطمح أفـرام لأن يكتشف المتلقي ما في اللوحة، وأن ينظر إلى ما وراء السطح، مؤكّدًا أنّ الإدراك يظلّ تجربة شخصية تختلف من شخص لآخر.
وفي الوقت عينه، يسعى معرض جوزيف أفرام إلى نقل رسالة أعمق: تحفيز الزائر على اكتشاف قواه الدافعة الخاصة، والتأمُّل في الحياة وإيجاد معنى في المواقف المختلفة، بالإضافة إلى تشجيع الناس على احتضان لحظات السكون والإدراك من دون خوف أو تجنب. ففي عالم يركض خلف الغايات العمليّة، يقدّم المعرض فرصة لإعادة تقدير اللحظات الداخلية الثمينة ومنحها قيمتها الحقيقية.
مشاريع مستقبلية
يخطّط الفنان جوزيف أفـرام لمواصلة رحلته الفنية عبر معرض جديد نهاية هذا العام أو مطلع العام المقبل، شريطة نجاح معرضه الحالي. وقد بدأ بالفعل التفكير في بعض المواضيع التي يرغب في استكشافها من خلال رسوماته، لكن لم يحسم بعد الفكرة أو الموضوع النهائي لمعرضه العتيد. لكن تظل المرحلة الحالية بالنسبة لجوزيف أفرام، مساحة مفتوحة للإبداع حيث تقوده التجربة والملاحظات إلى مسارات جديدة في التعبير الفني، لتستمر رحلة البحث عن القوى الدافعة الإنسانية وتحوّلها إلى أعمال تحمل المعنى والعمق ذاته.

