د. جوزف ن. زغيب

من مختبر الأشعّة إلى رحاب الحكاية

بترا الجميّل: قصصي تربط الطفل بمِهن الأجداد

6 دقائق للقراءة
د. بترا الجميّل: لا بد من العودة إلى زمن البَرَكة

تطلّ الدكتورة بترا الجميّل على عالم الأدب من شرفة الطب. لكنها لا تحمل معها تقارير علميّة جافة، بل ثلاثية قصصية، هي "جدّتي ومربّى التين" و "حكاية إبريق الماء" و "زيتون وصابون"، مطوّعةً مهارتها كطبيبة أشعّة لإنتاج نصوص ذات تخيّل بصريّ لافت، تخاطب بها جيل "التابلت" والشاشة الذكية. في ما يلي، حوار معها حول ثلاثيتها القصصية ومسائل أخرى.

* كيف استطعتِ، كطبيبة، استخدام أدوات التشخيص الطبي لرصد الفجوة الثقافية بين الجيل الجديد وجذوره التراثية، ومعالجتها بجرعات أدبية مدروسة في قصصكِ؟

- التشخيص الطبي ليس مجرّد فحص للأبدان، بل هو غوص في العلّة لإيجاد الشفاء. وجدتُ أن جيل اليوم يعاني "أنيميا" ثقافية حادة وانقطاعًا عن الجذور بسبب طغيان الرقمنة. لذا، استخدمتُ ضوء الكلمة بدقة لأزيل غشاوة التغريب عن أعين الأطفال. الجرعات الأدبية التي قدّمتُها هي بمنزلة مصل حيويّ يربط الوعي بالهوية، محوِّلةً القصص إلى مختبر لاستعادة الذاكرة الجمالية المفقودة بأسلوب علمي تربوي.


* تدمجين في سلسلة "من تراثنا" بين الفصحى السلسة والمفردات العامية الأصيلة، فكيف تخدم كلمات مثل "الخضير" و "الجفت"، برأيكِ، في فتح مغاليق الهوية أمام طفل الشاشات الذكية؟

- اللغة هي وعاء الهوية، ودمجي الفصحى السلسة والمفردات التراثية الأصيلة يهدف إلى إحياء الذاكرة السمعية للطفل. هذه الكلمات ليست مجرّد حنين للماضي. إنها شيفرات تربط القارئ الصغير بأرضه. حين يتعرّف الطفل على هذه المصطلحات، نكسر عزلة الشاشات الذكية ونعيده إلى بيئة لغوية واقعية تجعله يشعر بالانتماء إلى مجتمع له ملامح وتاريخ خاص به.


* في قصة "جدّتي ومربّى التين"، حوّلتِ إعداد الطعام إلى طقس اجتماعي يلامس الحواس. كيف تساهم رائحة التين وحرارة الموقد في تعزيز مفهوم البَرَكة والانتماء لدى القارئ الصغير؟

- في "جدّتي ومربّى التين"، استحضرتُ البَرَكة كقيمة معنوية تتجسّد في الطعام. تحضير المربّى ليس وصفة للطهو فحسب. هو طقس يجمع العائلة حول الموقد، حيث تختلط رائحة التين الناضج بدفء حكايات الجدّة. الجدّة هنا هي رمز الأرض، وصناعة المربّى هي عملية صهر للأجيال في وعاء واحد، وهذا ما يُنمّي لدى الطفل شعورًا بأن الأرض تعطي الحبّ بقدر ما تعطي الثمار.


* يظهر إبريق الفخار في قصة "حكاية إبريق الماء" بطلًا تُروى من خلاله حكاية العطش والارتواء. ما الرسالة التي أردتِ إيصالها عن طريق هذا الرمز التراثي بعيدًا من الوعظ المباشر؟

- صُنع إبريق الماء كان وسيلة لتحويل الجماد إلى أداة تنبض بالحياة، ليحكي قصّة البساطة التي افتقدناها. الإبريق يمثل فلسفة الارتواء من الينابيع الصافية، بعيدًا من صخب الحياة المعاصرة وتعقيداتها. تعمّدتُ الابتعاد عن الوعظ المباشر لأن الطفل يميل إلى الاكتشاف؛ فحين يقرأ عن مراحل صنع الإبريق، ينساب المفهوم الأخلاقيّ والبيئيّ إلى قلبه بعفوية، تمامًا كما ينساب الماء من فوهة الفخار.


* الزيتون في لبنان هو "ذهب أخضر"، فكيف رصدتِ في قصة "زيتون وصابون" تحوُّل الثمرة من الشجرة إلى المعصرة لتفوح منها رائحة الانتماء والأصالة؟

- الزيتون هو أحد مداميك هويّتنا الوطنية وَصِلة وصل عاطفية بين الأجيال. في "زيتون وصابون"، تتبّعتُ مسار الثمرة من الشجرة الصامدة إلى المعصرة ثم إلى صفيحة الصابون، لأؤكد أنّ كلّّ حبّة زيتون تحمل في جوفها رائحة الانتماء. أردتُ للطفل أن يُدرك أن الصابون الذي يلمس جلده هو نتاج تعب الأجداد وبركة الأرض، وهذا ما يعزز لديه قيمة الأصالة.


* بصفتكِ طبيبة متخصّصة في الأشعّة، إلى أيّ مدى ساهم إدراككِ أهمية الصورة في استيلاد نصوص تتسم بالتكثيف الصُّوَري العالي والقدرة على التخيُّل البصري؟

- تخصُّصي في تصوير الأشعة علّمني أن الصورة تسبق الكلمة في الإقناع، فهي تكشف ما وراء الظاهر. لذا حرصتُ على إرفاق كلّّ قصّة بالصُّور المستقاة من موضوعها. في كتابتي، أتعامل مع النص كأنه لوحة أشعّة ثقافية، أحاول من خلالها تكثيف المشهد البصري ليكون عالي الوضوح في خيال الطفل. الإدراك البصري يساعد في إيصال الفكرة بسرعة وعمق، وهذا التكثيف الصُّوَري هو ما يجعل الطفل المعاصر يرى التراث بوضوح رغم أنه لم يعشه واقعيًّا.


* وازنتِ في أسلوبكِ بين الإيقاع السريع الذي يطلبه طفل العصر وبين الذائقة التراثية. فكيف نجحتِ في حل هذه المعادلة التي تبعد الملل عن القارئ الصغير؟

- الطفل المعاصر يمتلك ذكاءً بصريًّا وسرعة في التلقي، لذا اعتمدتُ الإيقاع السريع والتكثيف في السرد. التحدّي كان في تقديم العمق التراثي من دون إثقاله بالتفاصيل المملّة. حاولتُ موازنة المعادلة عبر تقديم المعلومة التراثية في إطار حركيّ مشوّق وصُور متلاحقة. الهدف هو أن يشعر الطفل بالمتعة والتشويق، بينما يمتصّ عقله الباطن القيَم التراثية والتعليمية بسلاسة ومن دون أدنى شعور بالملل.


* قررتِ تخصيص ريع توقيعكِ في "معرض أنطلياس للكتاب" (مساء 6 آذار المقبل) لدعم أطفال مرضى السرطان. فكيف يمنح هذا العمل الإنساني بعدًا آخر لقصصكِ يجعلها كتابة من أجل الحياة؟

- الطب والأدب كلاهما يسعيان إلى خدمة الإنسان وتخفيف آلامه. قرار تخصيص ريع توقيع الكتاب لدعم أطفال مرضى السرطان يجعل الكلمة فعلًا ملموسًا. كطبيبة، أدرك تمامًا معنى المعاناة، وككاتبة، أؤمن أن الأدب ينبغي أن يكون له رسالة أخلاقية. هذه المبادرة هي امتداد طبيعي لرسالتي الطبية في الحياة.


* كيف يمكن للأدب، من وجهة نظركِ، أن يكون وسيلة للمقاومة بالجمال؟

- العولمة تسعى لنمذَجَة الهويّة وجعل العالم نسخة واحدة باهتة. هنا يأتي دور الأدب كفعل مقاوَمة بالجمال. قصصي هي الجسر الذي يربط بين حداثة "التابلت" وأصالة الجرّة، لتخبر الطفل بأنه يمكنه امتلاك التكنولوجيا من دون التفريط في هويّته. لا أرفض العصر الجاري واختراعاته، بل أريد للطفل أن يدخله وهو يحمل في حقيبته جواز سفر ثقافيًّا نابعًا من أرضه، ليكون مواطنًا متعلِّقًا بجذوره.


* انطلاقًا من بواكيركِ القصصية هذه، ما هي الشتول الأخرى التي تنوين غرسها في وعي النشء الطالع لربطه بتاريخه الحي؟

- هذه البواكير هي بداية لمشروع ثقافيّ. طموحي هو الاستمرار في غرس شتول جديدة تتناول الحِرَف اليدوية الآيلة إلى الانقراض والمظاهر التراثية الشعبية. أسعى إلى تقديم سلسلة متكاملة تبني وعيًا لدى الجيل الجديد، ليدرك أن مِهن الأجداد كانت فنًّا وفلسفة عيش، وليظلّ هذا التاريخ حيًّا في الوجدان، ينمو معه ويحميه من ضياع الهوية في المستقبل.



تحضير المربّى طقس يجمع العائلة


قصّة البساطة التي افتقدناها

كلّ حبّة زيتون تحمل في جوفها رائحة الانتماء