تحلّ يوم 8 شباط 2026 الذكرى الخامسة لرحيل الوزير والنائب جان عبيد. كان مقدّرًا لعبيد أن يكون رئيسًا للجمهورية بعد استشهاد الرئيس رينيه معوّض، ولكن رفضه حلّ ما سمّي عقدة العماد ميشال عون بالقوّة أبعده عن رئاسة الجمهورية واختير النائب الياس الهراوي وكان ما كان.
كثيرة الأخبار عن الوزير عبيد، ومنها هذه الرواية عندما نجح في إطلاق سراح المسؤولين الكتائبيين جان أنطون وجوزف جعجع من سجن المزة مع رفاقهما واستقبلهم موفدًا من الرئيس أمين الجميّل.
ماذا حدث وقتها؟
بعد ظهر الجمعة 28 تموز 1978، أوقفت القوات السورية في شكا جان أنطون نائب رئيس إقليم البترون ورئيس قسم شكا الكتائبي، وفي الوقت نفسه تقريبًا كان جوزف جعجع مفوّض الشمال العسكري في حزب "الكتائب" اللبنانية متوجّهًا من بيروت إلى بشرّي مع 3 من رفاقه هم: جوزف عبد المسيح من حدث الجبة وجوزف لابا من الديمان وحبيب العلم من حصرون سالكين طريق جرد اللقلوق – حدث الجبة، فوقعوا في كمين نصبه مسلّحون كانوا يلبسون بدلات الجيش اللبناني.
تمّ نقل الجميع إلى مقرّ المخابرات السورية في المصنع، وهناك انضمّ إليهم أنطوان سعاده من قنيور في قضاء بشرّي، وكان أوقف أمام صيدلية بارتي في الأشرفية، وسيمون ساسين من حدشيت وإيلي عقل من القبيات وشباب بلدة إده البترونية الياس الياس، ورئيف شديد وعصام إيليا، وكان رفيقهم الرابع نديم مرعي فُصل عنهم في طرابلس وضاعت أخباره، ورئيس قسم وادي شحرور الكتائبي جوزف باروك ومفوّض القوى النظامية في القسم مارون أبي راشد وشقيقه وحنا الصيّاح من ضبيه وسيمون دحدح من زغرتا.
رغم كلّ الاتصالات، رفضت دمشق إطلاق سراح جان أنطون وجوزف جعجع حتى بداية عهد الرئيس أمين الجميّل. ففي بادرة حسن نية تجاه العهد الجديد وبعد اتصالات قام بها الوزير جان عبيد، تمّ إطلاق من تبقى من سجناء الكتائب في سوريا.
عند الساعة 11 من ليل الأحد 10 تشرين الأول 1982، دخل السجّان إلى مهاجع سجن المزة ونادى على جان أنطون وجوزف جعجع وأنطوان سعاده وجوزف لابا وجوزف عبد المسيح وحبيب العلم وأنيس طراد وعزت بيضون وإيلي فياض، وطلب منهم جمع أغراضهم ومغادرة المهجع وكانوا آخر كتائبيين ما زالوا في السجون السورية.
تركوا جميع أغراضهم لباقي المساجين وغادروا
من سجن المزة، نقلوا إلى فرع التحقيق العسكريّ وتركوا على مقاعد بهو السجن وأبلغهم السجّان أنه يمكنهم الدخول إلى الحمام إذا أرادوا: في تلك اللحظة تأكّدوا أنه سيطلق سراحهم.
مع خيوط الفجر الأولى، نُقلوا إلى مقرّ المخابرات السورية في عنجر، حيث سمح لهم بالتجوّل خارج المركز، فجلسوا أمامه وراحوا يتحدثون مع عناصر المخابرات السورية، وخلال النهار قدّموا لهم الطعام وعلب دخان.
عند العصر تقريبًا، وصل العميد السوري محمد غانم واختلى بجان أنطون وجوزف جعجع ثمّ خرج وصافح المخلى سبيلهم، طالبًا منهم نسيان المرحلة السابقة التي كانت صعبة على الجميع والعمل معًا لبناء علاقات جديدة.
قرابة الساعة 6 مساءً، وصل ضباط وجنود من مخابرات الجيش اللبناني لمرافقة المُفرج عنهم مع رجال المخابرات السورية، فصافحهم مجدّدًا العميد محمد غانم والضباط السوريين المتواجدين في المركز وركبوا السيّارات التي انطلقت بهم إلى محلة الدوار في المتن.
عند حاجز الجيش اللبناني في الدوار، كان ينتظرهم الوزير جان عبيد وقائد الحرس الجمهوري، فتوقفت السيارات قبل الحاجز بحوالى 100 متر ونزل منها المُفرج عنهم.
يروي عبيد تلك اللحظات فيقول: وصلت السيّارات ونزل منها الشباب ولكن تفاجأنا أنهم بقوا واقفين قربها ولم يتقدّموا باتجاهنا رغم الطلب منهم التقدّم، إلى أن وصلت آخر سيارة وفيها جان أنطون وجوزف جعجع: هنا بدأ باقي المفرج عنهم بالتحرّك.
يضيف مبتسمًا: ونحن ننتظر تقدّمهم قال لي قائد الحرس الجمهوري: لن يتقدّموا قبل جوزف جعجع، فرغم سنوات السجن، ما زالوا يعرفون الأصول العسكرية، فعند العودة من الأسر يجب أن يتقدّم أولًا، الأعلى رتبة، لذلك انتظروا وصول جوزف جعجع، لكنه أفسح المجال ليتقدّمه جان أنطون. وتبعهما باقي المفرج عنهم.
لاحقًا، قال أحد ضباط الحرس الجمهوري للوزير عبيد وكان متواجدًا عند معبر الدوار وقتها: أنا من عائلة لم تكن يومًا مع "الكتائب" أو "القوات"، لكن عندما رأيت هذا المشهد أمامي وكيف أن المفرج عنهم ينتظرون وصول قائدهم ليتقدّمهم، وكيف مشوا خلفه في صف واحد مرفوعي الرأس لا يلتفتون خلفهم ولا حواليهم، أحسست كأنهم يقولون إن "سنوات الاعتقال لم تغيّر قناعاتنا".
أضاف الضابط: "لا تستطيع إلّا أن تحترم هكذا شبان صلبين".
ركب المُفرج عنهم سيارات المراسم ووصلوا إلى قصر بعبدا، حيث كان الرئيس أمين الجميّل في انتظارهم وبعد تهنئتهم بالسلامة وتقديم الضيافة، وضعت في تصرّف كل معتقل سيارة لنقله إلى منزله.
هناك حادثة أخرى جرت مع عبيد لم يكن يحبّ روايتها:
كان ذلك صيف 1975والحرب تطلق رصاصاتها الأولى، والوزير عبيد يسكن في بلونة في كسروان.
ذات يوم، طرق بابه 3 شبان كبيرهم لم يكن يبلغ العشرين من عمره، فتح لهم الباب فدهشوا ووقفوا شبه مصدومين. كانت معلومات قد وصلت للوزير عبيد بضرورة ترك بلونة لأنه قد يُرسل له بعض المتحمّسين لقتله أو إهانته.
حدس الوزير عبيد أن هؤلاء الشبان هم المكلفون بقتله أو إهانته، فألحّ عليهم بالدخول وتناول الغداء معه.
يقول عبيد: جلسوا إلى مائدة الطعام خجولين خائفين كانوا فتيانًا، فرحت أقدّم لهم الطعام وأكلّمهم وأسألهم عن مدارسهم وأشغالهم.
زال خجلهم بعض الشيء وقال لي أكبرهم: أرسلونا كي نضربك ونهينك وحتى نقتلك فأنت بعثيّ عراقيّ تريد خراب لبنان لكنك من أروع الناس.
ردّ عليه الوزير عبيد مبتسمًا: أرسلكم فلان؟
هزوا رؤوسهم موافقين، وأكمل الوزير عبيد الحديث معهم متجاوزًا هذا الموضوع.
في ختام الزيارة، قدّم لهم الوزير عبيد بعض الهدايا الصغيرة: سيكارًا وزجاجة ويسكي لكلّ واحد، ومن يومها أصبح هؤلاء الشبان من رجال الوزير عبيد وساعدهم كثيرًا.
أمّا من أرسلهم، فبقي الوزير عبيد يلتقيه في مناسبات حتى وفاته من دون أن يفتح معه هذا الموضوع، وعندما كان وزيرًا للتربية لبّى له عدّة طلبات.

