وُلد مار مارون ناسكا حرّا في زمنٍ كانت فيه القوّة تُقاس بالسلطان، فاختار القفر بدل القصور، والنسك بدل النفوذ، والحقّ بدل الخضوع. عاش إيمانه فعلًا لا خطابا، فصار حضوره الروحيّ أقوى من أيّ سلطة، وجذبت مسيرته تلامذةً ومؤمنين رأوا فيه مثال الثبات والحرّيّة. من حوله، تشكّل وعيٌ جماعيّ لا يقوم على العصبيّة، بل على الإيمان والكرامة والالتصاق بالأرض. ومع انتقال أتباعه إلى جبال لبنان، حملوا روحه قبل اسمه، فصار مار مارون أبا روحيا لهم، وصارت المارونيّة مدرسة صمودٍ وشهادة، لا طائفة امتياز. ومن هذا الجذر الروحيّ، وُلد دور الموارنة في صنع تاريخ لبنان، لا كجماعة منغلقة، بل كقوّة حرية أسّست لفكرة الوطن، وحملت رسالة العيش المشترك، وأسهمت في قيام كيانٍ قام على التنوّع والكرامة قبل السياسة والحدود.. وهذا يعود الى حوالي ٦٩٠ عاما أي منذ تأسيس الكنيسة المارونية في جبل لبنان.
أما اليوم وفي التاسع من شباط، لا يحقّ للموارنة أن يكتفوا بالصلوات فيما الدولة تُذبح، والمواطن يُكسر، والقدّيس يُستعمل غطاءً لسياساتٍ لم تعرف يوما معنى التجرّد ولا روح التضحية. هذا اليوم عيدا بالمعنى الطقسيّ، ولكنه محكمة ضمير محكمة بلا مجاملات، وبلا حصانات، وبلا أقنعة وبلا أعذار.
في عيد مار مارون، لا تنفع الشموع، ولا تُجدي الخطب الرنّانة اي منفعة، ولا يحقّ للموارنة أن يرفعوا الصلوات فيما أياديهم ما زالت معلّقة بأكتاف سياسيّين خذلوهم، وساهموا في كسر الكرامات، وتفكيك الدولة، وبيع ما تبقّى من السيادة باسم الواقعيّة أو الحقوق أو الخوف.
هذا يوم محاسبة لا مناسبة بروتوكولية، إنه يوم مواجهة مع الذات قبل أن يكون عيدا. فمار مارون لا يُحتفل به فيما روحه تُهان، ولا يُستحضَر اسمه فيما رسالته تُداس كلّ يوم في سوق السياسة. اليوم تُستدعى فيه روح مار مارون شاهدا على ما فُعل باسمه، وعلى ما ارتُكب بحقّ لبنان تحت راياتٍ ادّعت تمثيله.
مار مارون لم يكن زعيم طائفة بل ضميرا حيا، لم يكن رجل تسويات بل كان رجل حقيقة، ولم يكن ابن سلطة بل ابن فقر، وابن مقاومة روحيّة في وجه الظلم، لم يكن حارس امتيازات بل شاهدا على الإيمان في وجه الانحراف، فأيّ علاقة تجمعه اليوم بطبقة سياسيّة مارونيّة جعلت من اسمه يافطة، ومن تاريخه غطاءً، ومن الطائفة صندوق أصوات، وكيف تحوّل اسمه إلى أيقونة تُعلّق فوق خرائب الدولة، فيما مَن يدّعون الانتماء إليه يوقّعون على إفلاسها ويمارسون السياسة كما لو كانت حلبة مصالح؟
ومن هنا، فإنّ السؤال الجارح اللا مفرّ منه: ماذا فعل سياسيو الموارنة بهذه الرسالة؟
فلبنان نشأ من روح الموارنة، لم يولد دولة مصالح، بل فكرة حريّة، لم يكن مشروع سلطة، بل رسالة كرامة. غير أنّ هذه الرسالة، مع الزمن، حُوّلت إلى شعار فارغ، واستُهلكت في بازار السياسة، حتّى بات المارونيّ، في كثير من المواقع، شاهد زور على سقوط وطنٍ كان شريكا في تأسيسه.
الفضيحة الكبرى ليست في خصوم لبنان، بل في من خانوا روحه من داخله مع داخله. في من لبسوا عباءة مار مارون، ثمّ جلسوا على موائد الخارج، وراكموا المكاسب، ووقّعوا التسويات، وتعاموا عن انهيار الدولة، وتركوا الشعب يتآكل فقرا وذلًّا. هؤلاء لم يُهزموا، بل استسلموا. ولم يُقصَوا، بل باعوا أنفسهم، قطعةً قطعة، حتّى فرّغوا الدور من مضمونه، والتمثيل من شرفه.
لقد حوّلوا المارونيّة من نداء حرّيّة إلى أداة سلطة، ومن دور تأسيسيّ إلى وظيفة تفاوض، ومن موقع وطنيّ جامع إلى حصّة تُدار بمنطق السوق فتحدّثوا باسم الدولة، ثمّ فرّغوها من معناها.
سياسيو الموارنة لم يُهزموا، هم اختاروا الهزيمة حين قبلوا بأن يكونوا شهودا على انهيار الدولة بدل أن يكونوا حُماتها،
اختاروا الصمت حين كان الكلام واجبا، واختاروا التسوية حين كانت المواجهة أخلاقيّة ووطنيّة، واختزلوا الدور التاريخيّ بمقاعد، والميثاق بحسابات، والكرامة بمكاسب ظرفيّة.
لم يروا في المارونيّة إلّا سلّما للسلطة، ولا في الدولة إلّا شركة عائليّة، ولا في العهد إلّا فرصة للتمكين، فكانوا شريكا أساسيا في الانهيار، ثمّ خرجوا علينا بخطاب المظلوميّة وكأنّ الانهيار هبط من السماء وبعضهم حوّل الذاكرة إلى سلاح، والخوف إلى برنامج سياسيّ، عاجزين عن تقديم مشروع دولة يتقدّم على مشروع الزعامة، مكتفين بإدارة الانقسام بدل كسره وقد اختصروا الموقع المسيحيّ التاريخيّ بتحالفٍ واحد، ورهنوا الرئاسة لإرادة الخارج، وكأنّ الموارنة خُلقوا ليكونوا ملحقا لا شركاء ومنهم من إكتفى بكلمات حادّة تحت قبّة البرلمان لتبرئة تاريخٍ سياسيٍّ طويل، ونسي أنّ السياسة تُقاس بالفعل حين تُتاح الفرصة، لا بالخطابة حين يكون الثمن منخفضًا.
يا سادة لقد تحوّلت الدولة إلى رهينة، والدستور إلى ورقة، والمواطن إلى رقم مسحوق بين المصالح.
في عيد مار مارون، لا بدّ من قول الحقيقة كاملة، لبنان لم يُكسَر فقط بفعل السلاح أو الوصايات أو المحاور، بل كُسِر حين تخلّى بعض الموارنة السياسيّين عن موقعهم الطبيعيّ كجسر توازن، وتحولوا إلى أطراف في لعبة الغلبة أو أدوات في صراعات الآخرين. فبدل أن يكونوا رأس حربة في بناء الدولة، صاروا جزءا من منظومة تُتقن إدارة الانهيار، لكنّ الخطيئة لا تتوقّف عند السياسيّ ولا تقع على عاتقه وحده، بل على عاتق
المواطن المارونيّ، والمواطن اللبنانيّ عموما، شريك بالصمت
ذاك الذي يعرف، ويرى، ويشكو، ثمّ يعيد انتخاب جلّاديه
ذاك الذي يلعن الفساد صباحا، ويصوّت له مساءً
ذاك الذي يحمّل السياسيّين مسؤوليّة الانهيار، ثمّ يلوذ بطائفته عند أوّل اختبار
ذاك الذي يريد دولة، لكنّه يخاف من كسر الزعيم.
في عيد مار مارون، لا يمكن فصل الخطيئة السياسيّة عن الخطيئة الشعبيّة. فالدولة لا تسقط وحدها، بل تُسقَط حين يتواطأ الخوف مع الطمع، والجهل مع العصبيّة، والصمت مع الانتهاز. وهنا، تحديدا، يُطرح السؤال الوجوديّ:
ماذا بقي من الدور المارونيّ في لبنان؟ هل هو دور تأسيسيّ في بناء الدولة، أم مجرّد رقم في بازار السلطة؟
الموارنة، تاريخيا، لم يكونوا جماعة امتياز، بل جماعة مسؤوليّة. لم يصنعوا لبنان ليحكموا، بل ليحموه. وحين تحوّل بعض قادتهم إلى مجرّد لاعبين في لعبة النفوذ، سقط الدور قبل أن يسقط الموقع. فالدور يُفقد حين تُفقد البوصلة الأخلاقيّة، لا حين تُفقد الأكثريّة النيابيّة
مار مارون، لو نظر اليوم إلى المشهد، لما سأل عن عدد النواب، بل عن عدد الشجعان، لما سأل عن التحالفات، بل عن الضمائر، ولما سأل عن الخطاب، بل عن الفعل.
إنّ الأزمة التي نعيشها ليست أزمة نظام فقط، بل أزمة معنى. معنى السياسة، معنى القيادة، معنى الانتماء. ومن دون ثورة داخليّة على هذه المعاني المشوّهة، لن يُنقذ لبنان قانون انتخاب جديد، ولا مؤتمر دولي، ولا تسوية إقليميّة
في عيد مار مارون، المطلوب ليس دموعا، بل قرارا.
قرار بمحاسبة السياسيّ، أيًّا كان اسمه
قرار بكسر حلقة الزعامة الوراثيّة والمقدّسة
قرار بأن يكون المواطن أعلى من الزعيم، والدولة أعلى من الحزب، والحقّ أعلى من الطائفة
لبنان لا يُبنى بالقدّيسين وحدهم، ولا يُهدم بالأشرار وحدهم بل يٌبنى حين يجرؤ الناس على المحاسبة، ويُهدم حين يختارون الراحة بدل المواجهة.
في عيد مار مارون، المطلوب ثورة ضمير، ثورة الموارنة على سياسيّيهم قبل غيرهم، ثورة المواطن على خوفه، وعلى كسله، وعلى عاداته الانتخابيّة، ثورة تعيد السياسة إلى معناها الأخلاقيّ، وتعيد الطائفة إلى دورها الرساليّ، وتعيد الوطن إلى سكّة الخلاص.
فمار مارون لا يحتاج تماثيل ولا مهرجانات، يحتاج شعبا يشبهه، وإلّا، سنبقى نحتفل بالعيد وندفن لبنان عاما بعد عام.
رحم الله سيدنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي كان أكثر من رأسٍ كنسيّ، كان ضميرا حيّا في زمنٍ التبست فيه الحقائق وتكاثرت فيه الأقنعة. حمل البطريركيّة كأمانة لا كسلطة، ومارسها بثبات الناسك لا بمرونة السياسيّ. وقف حيث يجب الوقوف، وقال «لا» حين كان الصمت أسهل وأربح، فصار صوته مرجعًا وطنيّا، قبل أن يكون كنسيّا. جمع بين العمق الروحيّ والحسّ الوطنيّ، فحفظ للكنيسة هيبتها، وللبنان معناه، وللموارنة دورهم التاريخيّ كحماة حرّيّة لا كتجّار نفوذ. لم يكن البطريرك صفير رجل تسويات، بل رجل مبادئ، ولذلك بقي حضوره ثابتًا بعد رحيله، كمعيار يُقاس به الصدق، وكبوصلة في زمن التيه.
والعمر المديد لسيدنا البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، الذي يحمل اليوم صليبا مختلفا في زمنٍ أكثر تشظّيا وأقسى انقساما. يقود الكنيسة في مرحلة انهيار شامل، حيث الخطر لم يعد سياسيّا فقط، بل وجوديّا وإنسانيّا. دوره اليوم ليس استعادة الماضي، بل حماية ما تبقّى من الحضور المسيحيّ في لبنان والشرق، وصون فكرة الدولة في وجه التفكّك، والتمسّك بالحياد بوصفه خلاصا وطنيّا لا شعارا عابرا. البطريرك الراعي يقف على خطّ النار بين الإيمان والواقع، بين الكنيسة والوطن، محاولا أن يبقي الباب مفتوحا أمام الرجاء، وأن يمنع سقوط المسيحيّين في اليأس أو الارتهان. وفي زمن قلّت فيه الأصوات الجامعة، يبقى صوته دعوةً إلى الشراكة، وإلى دولة القانون، وإلى إعادة السياسة إلى أخلاقها، ليبقى لبنان ممكنًا، وتبقى الرسالة حيّة.