الدكتور سايد حرقص

هل يردّ "حزب الله" التحية لقائد الجيش؟

3 دقائق للقراءة

​لم يكن لقاء قائد الجيش اللبناني الجنرال رودولف هيكل بالسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في واشنطن مجرد محطة بروتوكولية، بل مثّل لحظة سياسية فارقة وضعت "عقيدة الجيش" تحت مجهر الضغوط الدولية المباشرة. هذه العقيدة التي تبلورت في مناخات ما بعد "اتفاق الطائف"، وتحديداً في عهد الرئيس الأسبق إميل لحود، قامت على معادلة "الجيش والمقاومة"، مسبغةً شرعية سياسية على سلاح حزب الله تحت عنوان "المقاومة لتحرير الأرض".

​لطالما استذكر الرئيس لحود في إطلالاته كيف رفض في بداية التسعينيات من القرن الماضي أوامر السلطة السياسية بصدّ حزب الله، مستعيناً بالنفوذ السوري لتعطيل القرار، ليرد الحزب "التحية" لاحقاً بإيصاله إلى سدة الرئاسة. سيناريو تكرر بصيغة أخرى في "تفاهم قاعة مار مخايل"، حيث منح الرئيس السابق ميشال عون غطاءً شرعياً للسلاح، فقوبل بتحية مماثلة أوصلته إلى بعبدا. اليوم، يبدو المشهد مختلفاً؛ فأهداف قائد الجيش الحالي وطنية بامتياز وليست شخصية، فهل سيتلقف الحزب هذه اللحظة بتدابير عملية تعزز قوة الجيش؟

​رغم "كمين" الأسئلة الأميركية المباشرة، تشير المعطيات إلى أن مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، نجح في احتواء الشظايا السياسية للقاء، مانعاً تحول الزيارة إلى نكسة دبلوماسية، ومفسحاً المجال لتحقيق هوامش مهمة من أهدافها المرسومة في دعم المؤسسة العسكرية.

​خلال اللقاء، وجّه غراهام سؤالاً مباشراً: "هل تعتبر حزب الله تنظيماً إرهابياً؟".

كان جواب القائد مقتضباً وحاسماً: "ليس وفق التصنيف المعتمد في الدولة اللبنانية".

​هذا الرد لم يكن "صك براءة"، بل ممارسة فعلية للسيادة؛ فقائد الجيش يتحدث بلسان القوانين اللبنانية والتعريفات الوطنية، لا بلسان المحاور الدولية. لكن هذا الهدوء حمل رسالة مشفرة: الشرعية واحدة، والجيش هو الممثل الوحيد للدولة. وبذلك، أعاد القائد وضع الحزب في حجمه الطبيعي كـ "واقع مفروض" يفتقر للإجماع الدولي، وليس كشريك موازٍ للشرعية.

​وهنا يفرض السؤال نفسه: هل يردّ حزب الله التحية للقائد؟ وهل يقرأ الرسالة كما هي، بعيداً عن التأويلات التي تخدم استمراريته؟

إن الاحترام الحقيقي للمؤسسة العسكرية لا يُصرف بالخطابات المكررة، بل بخطوة سيادية واحدة: البدء الفعلي بتسليم السلاح لعهدة الدولة.​لو فعلها الحزب، لمنح الدولة دفعاً استثنائياً لتحصين نفسها داخلياً ودولياً. لكن الوقائع أثبتت أن السلاح خارج إطار السلطة لم يوفر الحماية المنشودة، بل تحول إلى جسر للعزلة، وسبباً في دمار القرى، ووقوداً لصراعات إقليمية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.

​التساؤل اليوم موجه للبنانيين الذين دفعوا الأثمان الباهظة: ​هل ما زال هذا السلاح درعاً يحميكم، أم أصبح قيداً يعزلكم عن الدولة والعالم؟

​هل تكمن "الكرامة" في تشريد العائلات ونزوحها، أم في دولة قوية تضمن الاستقرار والنمو؟

​ما قاله القائد في واشنطن هو دعوة صريحة للعودة إلى كنف الشرعية. دعم الجيش يعني استعادة كرامة العسكري، وحماية الأمن، وفتح باب الأمل الوحيد للنهوض الاقتصادي. أما الإصرار على "سلاح الدويلة"، فلن يحصد منه اللبنانيون سوى الفقر والعزلة والدمار والتهجير.

​ردّ التحية لا يكون بالشعارات والخطابات والتحليلات السطحية، بل بالقرار الجريء: إما جيش يحمي الجميع تحت سقف القانون، أو ميليشيا تغرق الجميع في فوضى المحاور. القرار هذه المرة يتجاوز القيادات؛ إنه في ضمير كل لبناني يملك الشجاعة ليقول: لبنان أولاً.