في أقلّ من شهر، انهار مبنيان سكنيّان في طرابلس. كارثتان ليستا معزولتين، بل إنذار صارخ يعبّر عن واقع مدينة تُترك منذ عقود على هامش الدولة، رغم أنّها ثاني أكبر مدن لبنان، وعاصمته الثانية فعلياً من حيث الثقل السكاني والتاريخي والاقتصادي.
طرابلس مدينة المفارقات القاسية. زعماؤها من أصحاب الثروات الضخمة، بعضهم يملك المليارات، بينما شعبها من الأكثر فقرًا وحرمانًا. مدينة تملك مقوّمات اقتصادية هائلة، من موقع جغرافي استراتيجي على المتوسط، إلى مرفأ قابل للتوسّع، إلى أسواق تاريخية، وتراث معماري وأثري نادر، إضافة إلى كثافة سكانية كبيرة قادرة على إنتاج الثروة مما يساهم في زيادة واردات الخزينة المحلية بالضرائب. ومع ذلك، تُترك أبنيتها مهدّدة بالانهيار، وبنيتها التحتية مهملة، واقتصادها مكبّل، وسكّانها متروكون لمصيرهم.
المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في طبيعة الحكم. السلطة المركزية في بيروت أثبتت، مرارًا، عجزها أو عدم رغبتها في إدارة طرابلس بما يليق بها. الموارد تُجبى من المدينة، لكن القرار والإنفاق يُحتكران في المركز. الأولويات تُحدَّد بعيداً عن حاجات الناس، والترميم والإعمار والتنظيم الحضري مؤجَّلة دائماً، إلى أن تقع الكارثة.
من هنا تبرز الفيدرالية كحلّ جدّي، لا كشعار ولا كفزّاعة. الفيدرالية لا تعني تقسيم لبنان، ولا تعني إقامة جدران فصل بين اللبنانيين، كما يروّج الإقطاعيون وأصحاب المصالح لتخويف الناس. الفيدرالية تعني دولة اتحادية، تقوم على اتحاد أقاليم أو ولايات ضمن دولة واحدة، بجيش واحد، وسياسة خارجية واحدة، وعملة واحدة، لكن مع توزيع عادل للسلطات والصلاحيات.
في النظام الفدرالي، تمتلك طرابلس سلطة محلية حقيقية تدير شؤونها بنفسها. تُحصّل ضرائبها، وتعيد استثمارها في ترميم الأبنية المهددة، وإعادة إعمار الأحياء القديمة، وتنظيم المدينة، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل. القرارات تصبح أقرب إلى الناس، والمحاسبة تصبح أسهل، والهدر والزبائنية أقل.
طرابلس تملك اكتفاءً ذاتيًا كبيرًا لو أُعطيت حقّها في الإدارة. اقتصادها قادر على النهوض، وثقافتها قادرة على أن تكون محركاً سياحياً، وطاقتها البشرية قادرة على الابتكار والإنتاج. ما يمنع ذلك هو خضوعها الدائم لسلطة مركزية استنزفتها ولم تحمِها.
التجارب العالمية واضحة. في دولة الإمارات، الاتحاد بين الإمارات هو مصدر القوّة، لا الضعف. كل إمارة تدير شؤونها الاقتصادية والتنموية، ضمن دولة واحدة ناجحة ومستقرّة. في الولايات المتحدة، الولايات تتمتّع بصلاحيات واسعة، ما سمح بتنمية متوازنة ومنافسة صحّية بينها. في سويسرا، الفيدرالية كانت أساس الاستقرار في بلد متعدّد اللغات والثقافات، وحوّل التنوع إلى عنصر غنى لا صراع.
لبنان، بتعدّده ومناطقه المختلفة، أحوج ما يكون إلى هذا النموذج. وطرابلس، على وجه الخصوص، ستكون من أكبر المستفيدين. الفيدرالية لا تعزل طرابلس عن لبنان، بل تعيد دمجها الحقيقي في الدولة، كشريك فعلي لا كمدينة منسيّة.
انهيار المباني ليس قضاء وقدر، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة. والفيدرالية هي فرصة إنقاذ، إنقاذ طرابلس من جهة، وإنقاذ الدولة كلّها من مركزية أثبتت فشلها من جهة أُخرى، وأوصلتنا إلى أن ينهار الحجر فوق رؤوس الفقراء، بينما الثروة والقرار محتجزان في مكان آخر.
وعند هذا الحد، يصبح السؤال مؤلماً وبسيطاً في آن: من يخاف فعلاً من أن تمتلك طرابلس حق إدارة نفسها في بلد فيدرالي إتحادي؟