أم الفقير.
عبارة نشأنا على إطلاقها على مدينتي طرابلس، فيفاخر أبناؤها أن الفقير لا يجوع فيها ولا يعرى عبارة نزعت عن وجه طرابلس بريقها وأصبحت ثكلى، أبناؤها يسحقون تحت ركامها. تتحطم طرابلس اليوم وتندثر من عبر مسار طويل من النفاق والفوضى والغوغائية التي تتبرقع بالمقدس لكي تمنع نور الشمس.
في أزقة طرابلس الأثرية تتعثر بوقاحة من نزع شباك أثري واستبدله بألومينيوم قبيح، يمكنك أن تشاهد فظاظة الجهل وادعاء المظلومية تحت أجنحة أقمشة متسخة تفرض إيقاعها على المدينة وتغتصب هويتها، لكي تدخل السوق عليك أن تمر بالقرب من القَلاية في شارع الكنائس وهناك حيث كانت تقام طقوس ليلة الميلاد الدينية والاجتماعية وكنت تستمتع بإحياء الليلة بعزف أبناء طرابلس من كل طوائفها في فرقة الكرملية الموسيقية. ذكريات المدينة هذه اندثرت، ولكن قبل أن تندثر تركت في ذاكرتي حكايات جدتي عن الكاسورة في باب الذهب (التبانة) وكيف تعرف شقيقها محمد حسن علي خليل على "ام علي جميلة" في سوق العرضي الذي كان ملتقى أهل الضنية وعكار وصافيتا. ما تزال تتجلى في ذاكرتي أخبار جدي عن إقامة الشيخ صالح العلي (قد) في منزل العائلة في "حارة السيدة" في التبانة، وما أزال أذكر طعم "فروج علي خليل" قرب "كاراج صافيتا" وأنا أخرج من "استوديو الكواكب" في شارع سوريا.
ذاكرة محتها أيام العتمة، وما زال المختار علي عجايا (الثورة) وصديقه بهجت السراج يقاومون فقدان الذاكرة الجمعية بالمحبة الأخوية التي ترفض الخضوع لسنابك أحقاد تغذيها المصالح اللحظية والأحلام الكركوبية، فهناك في أحياء التبانة الكوكب الغريب عن يومياتك في أسواق بيروت، ما تزال تنبض يوميات طرابلس وذكرياتها، ذكريات طالها الإهمال والنفاق كما طال مبنيي الكردي (كمون) والصيداوي، الذين رزحا تحت شيخوخة اسمنت أعيته الإنيرغا والـ B7، وعندما جاءت الخطة الأمنية طُليت الجدران ونُسِيَت الأساسات واستمرت رقصة التانغو فوق أشلاء المدينة وبقي الأمنيون يعتبرون أن مسك "الشارع" في حارة البرانية والعرعور والسيدة والمهاجرين وجبل محسن يوجب استرضاء الزعران وتجاهل حلف الأوادم الراسخ في وجدان المدينة.
فيما كانت جثث أصدقائي تُطحَن تحت ركام المدينة، كانت الحكومة اللبنانية تمارس الإسناد وتخطب الود في سوق البيدر، أما الفقير الصابر المحتسب فتحطَّم تحت الركام وكانت حسابات حقله غير حسابات البيدر. في بلادي لا مكان لمن يلتزم القانون، ولا لمن يلتزم أحكام قانون السير أو يسدد الضرائب، طالما أن هناك تسوية ستغفر لمن امتنع عن سداد ضرائبه، ويُشترى الولاء بتجاوز القانون ومنح الحصانات ضد سلطان الدولة.
يوم 8 شباط 2026، فقدت عائلات مسكنها، والجثث المطحونة تحت الركام وأطنان النفاق لم تجد بيتًا تخرج منه جنازاتها، فضنَّت أم الفقير على أبنائها حتى بالعزاء، لم يؤخذ العزاء في بيوت الشهداء والناجون انهارت ذكرياتهم مع جدران الأبنية؛ لم يُعلن الحداد واستمرت حفلات أعياد الميلاد والأفراح فيما أتراح الفقراء المعدمين تمر حديثًا جانبيًا في جلسات السَمَر.
في 23/05/2026 ينقضي قرن على دستور الجمهورية اللبنانية، وما تزال أحكام الفقرتين (ج) و(ز) تحتلان مكانهما في مقدمته دون حضور فعلي، فلا مساواة في طرابلس، ولا إنماء متوازن والمدينة التي عشقت الشهيد رفيق الحريري لم يَنُبها من إعمار لبنان سوى مشروع القبة القبيح الذي وصفه أستاذي الدكتور نزيه كبارة بقذى في العين، فما يزال طابع المدينة هو عينه، باستثناء بعض الأبنية الحديثة التي حلت محل "السقي" وبساتين الليمون، وتختفي رائحة زهر الليمون من ربيع طرابلس لتحل محلها نكهة الإسلام السياسي الاعجمي المدعوم إيرانيًا فتُزال "ساحة التمثال" وتتحول طرابلس إلى قلعة وصندوق.
ألم يتغير شي؟ بلى أُقفل مقهى الأندلس، الذي كان ملتقى أساتذة المدارس والمثقفين، وزال الـ Pinky من خريطة رواد المقاهي ولم تعد تشاهد في التل العليا ولا في فهيم سوى ظلال مدينة تتبدد، أما الكولورادو ورفيقاتها فأصبحت نسيا منسيا.
معرض الشهيد رشيد كرامي يغيب عن خريطة المعارض العالمية فيما Expo 2020 يشكِّل حدثًا مفصليا في تاريخ دبي والعالم. أما المرفأ فاكتشف الكنعانيون أهميته الملاحية في القرن التاسع قبل الميلاد وأسسوا على ضفافه أول فيدرالية بتاريخ المعمورة في القرن الرابع قبل الميلاد، فتأسست هذه المدينة لأهميتها الملاحية وعمق مرافئها المحمية بالجزر الثلاث، ولكن أحد نواب بيروت السابقين قرَّر تجاهلها ليَصِم مرفأ طرابلس بالتهريب.
طرابلس التي لطالما كانت مرفأ العمق الاستراتيجي فهي مرفأ حمص وحماة والموصل وهي مرفأ طريق الحرير القديم، يتم تجاهلها من خريطة الانماء والاستثمار وتتحول كمبنى الكردي إلى الإهمال القسري عساها تتحطم فوق جثث أبنائها.
بين الكراكيب والإسلام السياسي وجماعة المكتب السياسي، وحفلة نفاق الوصوليين ومهرجانات التكاذب، والتعامي عن جوهر المشكل تتراكم الأكاذيب فوق صدر المدينة لتخنقها ويتجاهل العابرون المتسلقون أحزان الناس حقائق تُفَتِّت أساسات المدينة وتُخَلِّق ردائها فأم الفقير أصبحت ثكلى ولم تعد تقوى على التسامح لم تعد تقوى على الغفران، والناس لن ينسوا فلم يبق هناك مجال للنسيان فحتى القبور وبيوت العزاء ضاقت بأصحابها.
لا قيامة للبنان دون التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، ولا سبيل لذلك إلا بالاستثمار وخلق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر تحويل طرابلس من صندوق بريد إقليمي إلى عاصمة اقتصادية للإقليم. إن عنوان العاصمة الثقافية لم يؤت أُكله فما تزال أهم معالم المدينة الثقافية ترزح تحت القمامة، ولم يُمسح الغبار عن وجه المدينة الجميل، فهوية المدينة ليست أمسية شعرية من هنا وخطاب من هناك، إن هويتنا الثقافية تعبُر في أزقة المدينة وتتنفس هواءها وتحمل في طيات أروقتها عبق المحبة والسلام.

