ميشال الدكاش

الكرسي امتحان للذات... يفشل فيه معظم الناجحين

4 دقائق للقراءة

منذ أن دخلت السلطة حياة الإنسان، تحوّلت من موقع إلى مرآة نفسيّة تُكبّر ما في داخله. فالكرسي ليس امتيازاً ولا تكريماً ولا لقباً، بل مسؤولية واختبار وجودي يكشف ما في الداخل، فضيلة كان أم عقدة. وحين تقترب الانتخابات، لا يتبدّل المشهد الخارجي فقط، بل تتبدّل البنية النفسية للفرد المرشّح، إذ يدخل في صراعٍ خفيّ بين صورتين: صورة الخادم الذي وعد، وصورة السيد الذي يظهر تدريجياً.

في مواسم الانتخابات، تنتشر ظاهرة نفسيّة تستحق أن تُدرَّس لا فقط أن تُصدَّق. مرشّحون يمشون برؤوس منخفضة، يلتقطون صوراً مع القهوة السادة، يتحدّثون عن الخدمة والناس، تحدياتهم، وجعهم وكثير من الأمل المرتَقَب، كأنهم رهبان سياسة في خلوة أخلاقية. ثم، ما إن يلمس أحدهم الكرسي، حتى يتبدّل الصوت، تتصلّب الرقبة، ويصبح التواضع مجرّد مرحلة تمهيدية لا قيمة أخلاقية راسخة.

إن أخطر أنواع الغرور هو ذاك الذي يتخفّى في البداية بثوب التواضع، ثم يطلب منك لاحقاً أن تقف احتراماً لأنه "صار دولة". ففي اللحظة التي يقترب فيها الفرد من السلطة، يبدأ دماغه بإعادة ترتيب الأولويّات. علم النفس السياسي يُظهر أنّ القرب من النفوذ والسلطة يُنشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والسيطرة، ويُضعف ولو مؤقّتاً مناطق التعاطف. فجأةً، يصبح الناس "أرقاماً"، والمسؤولية "ملكاً خاصاً"، والنقد "اعتداءً شخصياً". هنا يبدأ الكرسي بالعمل فلا يضغط على الجسد، بل على الأنا.

هذا المشهد لم يعد فردياً، بل صار مرآة لفجوة واضحة بين عدّة أجيال. جيل عاش الدولة كحلم جماعي ومسؤولية ثقيلة. جيل آخر تعامل معها كأداة نجاة فردية. وجيل جديد بالكاد يراها أصلاً، لأن حياته تشكّلت خارجها. هذا التباين بين الأجيال يفسّر لماذا يتعامل بعضهم مع الكرسي كخلاص شخصي، بينما يراه آخرون مسؤولية كبيرة، أو عبئاً، أو حتى شيئاً بلا معنى.

ويبلغ العبث ذروته حين تتحوّل السلطة إلى استعراض مالي. كأن شراء النفوذ، أو العيش داخل مشهد دائم من القوة، دليل نجاح. بينما في علم النفس السياسي أيضاً، هذا السلوك غالباً مؤشر نقص وفراغ داخلي عميق. من يحتاج أن يعيش داخل مظاهر القوة طوال الوقت، هو شخص غير متصالح مع نفسه، يخاف من هشاشته ويعالج خوفه بالاستعراض لا بالمسؤولية. هنا لا تُدار السلطة للخير العام، بل تُستهلك شخصياً لتعويض شعور داخلي بالنقص على حساب حياة الناس.

السؤال الحقيقي ليس لماذا يتغيّرون، بل لماذا لا يستعدّون نفسيّاً لعدم التغيّر. هنا يبدأ الحل، لا كترف فكري، بل كضرورة في إدارة الشأن العام. من يريد أن يخدم فعلاً، لا يكفي أن يملك برنامجاً، أو يتقدّم للمسؤولية بل يحتاج إلى ثقافة نفسية للسلطة. ثقافة تقول له إن المنصب ليس ترقية للذات، بل امتحان لها.

أولى ركائز هذه الثقافة هي الوعي بالذات قبل الوعي بالناس. على المرشّح أن يسأل نفسه بصدق غير بطولي: لماذا أريد هذا الموقع؟ من أكون من دونه، ومن سأكون معه؟ ماذا سيعطيني نفسيّاً؟ هل أبحث عن تقدير شخصي، عن تصفيق جماعي يملأ حاجة الانتباه لدي أم عن رغبة حقيقيّة في التأثير والتحسين؟ هذا السؤال بحدّ ذاته قد يكون صمّام أمان. فمن لا يعرف دوافعه، ستقوده دوافعه من حيث لا يدري، مهما اختلف جيله أو خطابه.

ثاني ركيزة هي التدريب على المشاركة لا السيطرة. القيادة في الشأن العام ليست بطولة فردية، بل عمل جماعي. كل مرشّح لا يبني فريقاً يستعدّ أن يختلف معه، يناقشه، ويعارضه، هو مشروع استبداد مؤجّل. المشاركة ليست ضعفاً في القرار، بل حماية له من جنون العظمة. وباللغة اللبنانيّة المحكيّة: "قِلّي مين في حدّك، بقلّك أنت مين".

ثالثاً، تطبيع فكرة المغادرة. نعم، المغادرة. يجب أن تدخل في أدبيّات المرشّحين والمرشحات كما تدخل الشعارات. أن يتدرّب المرء على ترك الكرسي قبل الجلوس عليه. أن يسأل: من سأكون بعد هذا المنصب؟ لأن من لا يرى نفسه خارج السلطة، سيقاتل للبقاء داخلها.

وأخيراً، معرفة الحجم الحقيقي. فالسلطة تشبه الوقوف أمام مرآة الكُوع والمستديرات الشهيرة ذات اللون البرتقالي، تلك التي تكبّر الرأس وتضخّم الملامح كلما اقتربت منها. الخطر ليس في المرآة، بل في تصديق ما تعكسه.

إنّ التواضع الحقيقي لا يُقاس بانحناءة قبل السلطة، بل باستقامة بعدها. فالقيادة ليست أن تكبر في عين نفسك، بل أن تصغر الأنا في داخلك كي يتّسع المكان لإدارة حياة الناس. السلطة لا تمنح الإنسان حجماً إضافياً، بل تضعه في الضوء، وما يظهر تحت هذا الضوء ليس صنيعتها بل حقيقته. ومن يرى في الكرسي امتداداً لذاته، فمشكلته ليست في السياسة، بل في صورته عن نفسه.