أنطونيو فرحات

انتخابات انتقائية

3 دقائق للقراءة

لا يختلف اثنان في لبنان على أن الجدل الدائم حول قانون الانتخابات ووجوب الالتزام بالمواعيد الدستورية لا يتعدى وجهات نظر لا تصرف ولا تفرض إلا بالسياسة وذلك بعيدًا من سلطة الدستور والقانون.

وآخر البدع الدستورية والسياسية هو إجراء الانتخابات بالقانون النافذ أي قانون 44/2017 دون تعديل المواد التي صرحت الحكومة أنها عاجزة عن تطبيقها، وعلى الرغم من ذلك تتطلع إلى إجرائها في موعدها. وعليه يطرح السؤال القانوني البديهي هل يجوز للحكومة إجراء الانتخابات على غرار انتخابات 2022 دون تدخل المجلس النيابي؟

بدايةً لا بد من التنويه بأن نفس العراقيل الموجودة اليوم أمام الحكومة لإجراء الانتخابات كانت موجودة عام 2022 وعندها وبغاية إجراء الانتخابات صدر قانون عن مجلس النواب علّق من خلاله العمل ببعض مواد قانون 44/2017 كي تتمكن الحكومة من إتمام الاستحقاق بطريقة أصولية وقانونية. "فما عدا ما بدا" حتى بدأت بعض الأصوات اليوم تعتبر أنه يمكن إجراء الانتخابات دون تعديل من قبل مجلس النواب؟! فلو أن هذا الرأي يستقيم لما تم تعديل بالمواد نفسها من قبل مجلس النواب عام 2022!!

أبعد من ذلك، إن المبدأ القانوني لا يعطي الحق للحكومة أن تطبق بعض مواد قانون نافذ وترك البعض الآخر تحت مسميات أو اعتبارات سياسية أو عملية، لأن هذا يعد مخالفة لمبدأ إلزامية القاعدة القانونية طالما هي نافذة.

أكثر استفاضة، إن أي تطبيق جزئي غير مستند إلى تعديل القانون في مجلس النواب سيعرض العملية الانتخابية للطعن وبالتالي للإبطال، إلا إذا لا سمح الله سَمَحَ المجلس الدستوري بتغلغل السياسة بين أسطر حيثياته ورد الطعن تحت مسمى "الظروف الاستثنائية" بهدف الحؤول دون الفراغ في مؤسسة دستورية. عندها يكون المسمار الأخير في نعش الوطن وبالأمل لبناء دولة يحكمها القانون والمؤسسات الدستورية الشرعية.

يتبدى بما لا يقبل الشك أنه لا يجوز تطبيق نظام انتخابي انتقائي لأن ذلك يضرب مبدأ المساواة وصحة التمثيل والمبادئ المصانة بالدستور. وعليه إن اقتراع المغتربين والترشح للدائرة السادسة عشرة لا يجوز تعطيلهما إلا بقانون صادر عن مجلس النواب، لأن المواد المتعلقة بهذا الخصوص تؤثر على جوهر النظام الانتخابي. في حين عدم اعتماد الميغاسنتر مثلًا، مع العلم أنه أيضًا مفروض قانونًا وفي حال عدم تطبيقه، يبقى جائزًا لأنه يمكن استبداله بتقنيات أخرى دون أن يؤثر ذلك على جوهر النظام الانتخابي.

يتجلى مما سبق بيانه أن الانتخابات النيابية يجب أن تكون في موعدها ولا يجوز تأجيلها تحت حجج واهية مع التفهم لتأجيل تقني نتيجة المماحكة السياسية. وعليه إن الإجراءات التي صدرت عن وزارة الداخلية لغاية تاريخه لا سيما دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشيح إذا لم تقترن بقانون تعديلي للقانون النافذ تكون معرضة للإبطال والطعن في وقت لاحق.

بالنتيجة تأمّل الشعب اللبناني مع العهد الجديد أن يكون الأداء التنفيذي والتشريعي مغايرًا لما درجت العادة في لبنان وأن يسود منطق الدولة قولًا وفعلًا، وأحد أبرز تجليات ما سبق ذكره هو احترام المواعيد الدستورية وتطبيق القوانين المرعية الإجراء وفق منطوقها وإلا وفق تعديلات تجيز تعليق أو إلغاء بعض المواد كي يكون القانون النافذ قابلًا للتطبيق بتاريخ استحقاقه.