القرار الكويتي بإدراج مستشفيات مرتبطة بشبكة حزب الله ليس تفصيلًا تقنيًا في سجلات مكافحة الإرهاب. هو حدث سياسي إقليمي كبير يعلن بوضوح أن الخليج لم يعد يقبل الفصل بين الذراع العسكري والذراع المدني للحزب، وأن زمن التعامل مع “الدولة الموازية” كأمر واقع قد انتهى.
الكويت ليست دولة هامشية في الملف اللبناني. هي من أكبر الداعمين التاريخيين للقطاع الصحي اللبناني، ومن أكثر الدول الخليجية استثمارًا في استقرار لبنان الاجتماعي. حين تتخذ دولة بهذا الوزن خطوة كهذه، فهي لا تعاقب مستشفى، بل تضرب فكرة: أن بإمكان تنظيم مسلح بناء شبكة خدمات مدنية تعمل خارج منطق الدولة، ثم المطالبة بتمويلها دوليًا أو تغطية نشاطاتها بواجهة إنسانية.
هذا القرار ينسجم مع اتجاه خليجي وأميركي أوسع: تجفيف البنية المدنية التي تحمي القوة المسلحة. الرسالة واضحة: لا يمكن أن تستمر معادلة “سلاح خارج الدولة + خدمات داخل الدولة + تمويل دولي”. هذه الصيغة انتهت. وما انتهى اليوم ليس إجراءً إداريًا، بل مرحلة كاملة من التسويات الصامتة التي سمحت بقيام دولة داخل الدولة. الخارج قرر التعامل مع الواقع كما هو، لا كما تصفه البيانات الرسمية.
وزارة الصحة أمام اختبار الدولة
الخطير ليس القرار الكويتي بحد ذاته، بل رد فعل وزارة الصحة اللبنانية القائم على النفي والتعمية. الدولة اليوم أمام لحظة اختيار: إما أن تتصرف كدولة، أو كغطاء إداري لشبكة حزبية.
الدفاع عن هذه المؤسسات تحت شعار "السيادة" يوقع الدولة في فخ قاتل. السيادة لا تعني حماية مؤسسات حزبية من المساءلة الدولية، بل قدرة الدولة على محاسبة مؤسساتها بنفسها. حين تتحول الدولة إلى محامية دفاع عن شبكات تتبع أجندة خارجها، فهي لا تمارس السيادة — بل تتنازل عنها. في السياسة الدولية، الإنكار الرسمي لا يحمي أحدًا؛ يُقرأ كاعتراف ضمني بأن الدولة اختارت الدفاع عن البنية التي تُعاقَب بدل إصلاحها.
إذا استمرت الوزارة في إنكار الواقع بدل مواجهته، فهي لا تدافع عن مستشفيات، بل تضع النظام الصحي اللبناني كله في دائرة الشك الدولي. النتيجة لن تكون عقوبات موضعية، بل خسارة ثقة المانحين، تضييق الدعم، وتعميق عزلة قطاع صحي يحتاج كل دولار خارجي للبقاء.
القرار لا يطاول المؤسسات المدرجة وحدها. بل يطلق أثر دومينو داخل القطاع الطبي كله. المستشفيات الأخرى ستعيد حساباتها فورًا: نقل المرضى، شراء الأدوية، التعاون اللوجستي — كل خطوة ستصبح محفوفة بخطر العقوبات بالتبعية. هذا ليس ضغطًا قانونيًا فقط، بل حالة رعب مصرفي وطبي تضرب المنظومة الصحية من الداخل، وتحول الشك إلى سياسة تشغيل يومية.
الدولة لا تخسر حين تواجه الحقيقة. الدولة تخسر حين تتبناها كذبة.
ابتزاز الدولة باسم الناس
النموذج الذي يتهاوى اليوم ليس مجرد شبكة خدمات. هو نموذج سياسي كامل يقوم على استخدام المال العام والدعم الخارجي لبناء نفوذ انتخابي. حين تُستخدم المستشفيات كأداة تعبئة حزبية، وتُقدَّم الخدمات كبديل عن الدولة لا كجزء منها، يتحول المواطن من مستفيد إلى رهينة: صحة، دواء، وظيفة، وكرامة يومية مرتبطة بقرار حزبي لا بقرار دولة.
هذا ليس دعمًا اجتماعيًا. هذا اقتصاد سياسي مغلق: الدولة تموّل، الحزب يدير، والناخب يُطلب منه الولاء. القرار الكويتي يضرب هذه الحلقة، ولهذا هو أخطر سياسيًا من أي مواجهة عسكرية.
الخليج وأميركا: تغيير قواعد اللعبة
الخليج، بدفع أميركي واضح، انتقل من سياسة الاحتواء إلى سياسة التفكيك البارد. لا حرب، لا صواريخ، بل استهداف تدريجي للشبكات التي تسمح ببقاء الدولة الموازية. هذه ليست ضربة واحدة، بل بداية مسار. والمسارات من هذا النوع لا تتراجع؛ تتوسع أو تنجح.
داخل هذا المسار، لا يواجه الحزب عقوبة موضعية، بل أثر دومينو يضرب بنيته التنظيمية نفسها. كل مؤسسة تُدرج اليوم تخلق خوفًا لدى المؤسسات الأخرى غدًا. شبكة الخدمات التي شكّلت عموده الفقري تبدأ بالانكماش تحت ضغط مالي ونفسي متراكم. الخطر هنا ليس فقدان مؤسسة، بل اهتزاز الإحساس بالحصانة الذي قامت عليه الدولة الموازية.
الانتخابات المقبلة: بداية الحساب
إذا استمر هذا المسار، سيدخل الحزب الانتخابات المقبلة تحت ضغط غير مسبوق: مالي، خدماتي، وسردي. الخطاب القائم على الحماية والخدمات سيصطدم بسؤال بسيط: هل يمكن الاستمرار في نموذج يعزل لبنان ويستنزف الدولة؟
الانتخابات لن تكون فقط صراع مقاعد، بل استفتاءً على سؤال أخطر: هل يريد اللبنانيون دولة، أم إدارة دائمة للأزمات؟
الفراغ أخطر من الحزب
المسألة ليست إسقاط حزب ولا انتصار محور. لبنان يقف أمام لحظة انتقال: إذا انكمشت الدولة الموازية، يجب أن تتمدد الدولة الرسمية فورًا. وإلا سندخل في فراغ مزدوج: حزب يضعف، ودولة عاجزة.
التمدد هنا ليس شعارًا سياسيًا، بل خطة عمل: استعادة إدارة الخدمات، بناء شبكة صحية وطنية شفافة، وفصل الدعم الاجتماعي عن الولاء الحزبي. الدولة التي لا تملأ الفراغ بنفسها تتركه لمن يملؤه بدلًا عنها.
القرار الكويتي ليس هجومًا على لبنان. هو إنذار أخير: إما دولة واحدة أو عزلة كاملة. والدولة التي تخسر نفسها دفاعًا عن حزب، تخسر الجميع. المشكلة لم تعد في حزب يرفض الانكماش، بل في دولة تخاف أن تتمدد. وكل دولة تخاف أن تكون دولة تتحول تدريجيًا إلى إدارة أزمة… لا إلى وطن.