في كتابه «زمن التفاهة»، لا يكتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن أشخاص أشرار بقدر ما يكتب عن نظام كامل يُكافئ السطحية، ويُعاقب التفكير النقدي، ويستبدل الحقيقة بسرديات جاهزة قابلة للتسويق. هذا الإطار النظري يتيح قراءة أعمق لخطاب حزب الله، لا بوصفه خطاب “مقاومة” أو “سلطة”، بل كنموذج دعائي يسترشد، بوعي أو من دونه، بمنهج وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز.
غوبلز كان مهندسًا لتحويل السياسة إلى عرض دائم، حيث تُلغى المسافة بين الحقيقة والسردية الشعبية الدعائية، ويُقاس الصواب بمدى انتشاره لا بمدى صحته. في هذا المعنى، يلتقي الحزب مع منطق “زمن التفاهة”، حيث لا يُطلب من الخطاب أن يكون دقيقًا أو قابلًا للتحقق، بل أن يكون قابلًا للقبول من عقول خائفة جاهزة لتصديقه وترداده والدفاع عنه.
أحد أعمدة هذا المنهج هو تبسيط الواقع إلى ثنائيات بدائية: مقاومة/خيانة، معنا/ضدنا، شرفاء/عملاء. هذا التبسيط لا يخدم المنطق العلمي، بل يخدم التعبئة. وكما يشرح دونو، فإن التفاهة لا تعني الجهل، بل رفض التعقيد، لأن التعقيد يفتح باب الأسئلة، والأسئلة تهدّد السلطة الدعائية.
في هذا السياق، تُختزل كل أزمات لبنان، من الانهيار المالي إلى العزلة الدولية، في “مؤامرة” دائمة. لا مكان لتحليل السياسات، ولا لتقييم النتائج، ولا لمسؤولية الفاعلين. تمامًا كما عند غوبلز، يُعاد توجيه الغضب الشعبي نحو عدو خارجي أو داخلي متخيَّل، فيما تُحمى البنية الحقيقية للسلطة من أي مساءلة.
أما التكرار، فيتحوّل إلى أداة مركزية لإفراغ اللغة من معناها. عبارات مثل “نحمي ونبني” أو “السلاح ضرورة وجودية” او "قدسية السلاح" تُقال وتُعاد حتى تفقد علاقتها بالواقع، وتتحوّل إلى طقوس لغوية. وهنا يلتقي الحزب مع ما يسميه دونو “لغة بلا محتوى”، لغة لا تُستخدم للتفسير بل للهيمنة، ولا تُنتج معرفة بل طاعة.
الأخطر هو شيطنة النقد. في زمن التفاهة، لا يُناقَش الرأي المخالف، بل يُصنَّف أخلاقيًا: خائن، عميل، مأجور. هذه التقنية، التي أتقنها غوبلز، تُستخدم لإلغاء النقاش من أساسه. فحين يصبح السؤال جريمة، تصبح الدعاية هي الحقيقة الوحيدة المسموح بها.
ويبلغ هذا المنطق ذروته في الإجماع الوهمي. إذ يُروَّج لفكرة أن البيئة الحاضنة متراصة بالكامل، وأن الثنائي الشيعي جسم واحد ورأس واحد وأن أي صوت مختلف هو استثناء مريب. مشكوك بانتمائه الى الطائفة ومشكوك في عقيدته الدينية هذا ما يسميه دونو “الامتثال السعيد”: حيث يفضّل الأفراد الصمت والانخراط في السردية السائدة بدل مواجهة العزلة أو التخوين أو حتى السؤال من أوصلنا الى الخراب الذي وصلنا اليه.
في المحصلة، لا تكمن خطورة هذا النموذج في تشابهه التاريخي مع أفكار غوبلز، بل في اندراجه الكامل ضمن منظومة السطحية المعاصرة: حيث تنتصر الدعاية على السياسة، والشعار على البرنامج، والانفعال على العقل.
في بلد كلبنان، قائم على التعدد الطائفي والهشاشة السياسية، لا تؤدي هذه المنظومة إلى حماية أو مقاومة، بل إلى تعطيل الدولة، وتآكل المجتمع، وتحويل الحقيقة إلى عبء.
إن استحضار غوبلز، عبر عدسة آلان دونو، هو تشخيص فلسفي لواقع مر: حين تُدار الجماعات المأزومة بالدعاية لا بالمصارحة بالحقيقة، وبالخوف لا بالمسؤولية، يصبح الانهيار نتيجة منطقية، مهما طال زمن الإنكار.