يستعدّ العشاق لتجهيز احتفالات عيد الحب، حيث تمتلئ الشوارع بالقلوب والورود الحمراء وتُحضَر المفاجآت والهدايا والمشاوير. في المقلب الآخر، يتحول هذا اليوم، الذي يُفترض أن يكون منبعًا للمشاعر الإيجابية إلى مساحة للقلق والتشاؤم والانزعاج لدى فئة من الناس.
هذا الجانب القَلِق لعيد العشاق ليس غريبًا عن جذوره، فهذه المناسبة مؤلمة أساسًا. وتعود إلى القديس فالنتاين الذي عاش في روما في القرن الثالث الميلادي وزوّج الجنود العشاق سرًا، بعد أن كان ممنوعًا عليهم الزواج. وعندما اكتُشف أمره، أُعدم في 14 شباط، ليصبح هذا اليوم رمزًا للتضحية من أجل العشاق.
وبالعودة إلى المشاعر المتناقضة التي تسود في هذا اليوم، يبرز سؤال أساسي: لماذا تتباين المشاعر العاطفية إلى هذا الحدّ بين شخص وآخر؟
توضح الاختصاصية النفسية إيلّا عمانوئيل أن "ارتفاع مشاعر القلق خلال عيد الحب يعود غالبًا إلى الضغط الاجتماعي"، مضيفةً أن "العازبين غالبًا ما يشعرون بأنهم معزولون عن هذا العيد، فيما يعاني المنفصلون حديثًا من استعادة الذكريات المؤلمة أو الشوق للحبيب السابق. وحتى المتزوجون ليسوا بمنأى عن هذه المشاعر، وتقول إن "بعضهم يشعر بالحزن عندما لا يلبّي الشريك التوقعات العاطفية، أو عندما يشعر بأن الحب خفّ والشغف ذاب".
أما الأشخاص الذين توفي شركاؤهم، فتلفت عمانوئيل إلى أنهم "يعيشون عيد الحب كمساحة مفتوحة للألم والحنين للذكريات".
وتلعب المقارنة مع الآخرين دورًا رئيسًا في تفاقم الضغط النفسي، لا سيما أن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت بابًا أوسع للمقارنات. وتشرح أن "هذه المنصات تُظهر الجانب المثالي والمزيّف من العلاقات مع أن هذا الجانب ليس الصورة الكاملة"، مشيرةً إلى أنها "تتسبب بوهم بأن الجميع سعداء ومحبوبون إلا نحن".
وتلفت إلى أن "العلاقات "أونلاين"، خاصة عندما تتعلق بالمشاهير، تعزز مفهوم الحب الاستعراضي المرتبط بالمال وتقلّل من قيمة العلاقات الواقعية التي تمرّ بلحظات ملل وضجر، وهذا ما يخلق شعورًا زائفًا بالفشل".
ورغم محاولات البعض تجاهل المشاعر السلبية، إلا أن ثقلًا نفسيًا يفرض نفسه مع حلول هذا التاريخ. وتربط عمانوئيل ذلك بما يُعرف بأنه "كآبة المناسبات"، التي هي ظاهرة نفسية حقيقية، رغم عدم إدراجها رسميًا ضمن الاضطرابات النفسية. وتشرح أن "العقل والجهاز العصبي لا يهضمان بعض المشاعر بسهولة، فتتراكم وتظهر بقوة في المناسبات السعيدة أكثر من الحزينة، لأنها مرتبطة بتوقعات اجتماعية وذكريات جميلة".
إذًا في بعض الحالات قد يكون الإنزعاج من عيد الحبّ أمرًا طبيعيًا، ولكن متى يصبح مرضيًا؟
تحذر عمانوئيل من أن "الأمر يصبح غير طبيعي عندما تستمر المشاعر السلبية لأسابيع، أو عندما تؤثر على القدرة على العمل والتركيز". وتعدّد مؤشرات الخطر مثل: العزلة الاجتماعية، الأرق، التعب المزمن، النوم المفرط، فقدان الشهية أو زيادتها، إضافة إلى الأفكار السلبية المدمّرة حول قيمة الذات،مؤكدة أن "ظهور هذه العلامات يستدعي تدخل اختصاصي نفسي، لأن المشكلة لم تعد عابرة، وقد يكون عيد الحب مجرّد عامل محفز لها".
ومع كل ما سبق من تحديات، تطرح عمانوئيل فكرة مهمة: "يمكن أن يكون عيد الحب فرصة للنمو العاطفي والوعي الذاتي"، مضيفة: "يمكننا إعادة تعريف هذا العيد ليشمل كل أشكال الحب، لا أن نحصُره بالحبيب فقط، فالإنسان قادر علميًا على العيش من دون حب رومانسي، لكنه لا يستطيع العيش من دون حب العائلة، الأصدقاء، والأهم حب الذات". وترى أن الامتنان للأمور البسيطة يملك سحرًا حقيقيًا للصحة النفسية، لأنه يدرّب الدماغ، على رؤية الإيجابيات. كما تنصح بتقليل استخدام مواقع التواصل عند الشعور بالانزعاج، والاهتمام بالنفس والهوايات.
ختاماً، لا بد من الإشارة إلى أن عيد الحب ليس اختبارًا لمدى نجاحنا عاطفيًا، بل مجرد تذكير بأن الحب يقوم أساسًا على التضحية التي تتجلى بأشكال متعددة.